|
أمي الحبيبة الغالية .. مستودع الحب الذي لا ينضب
أحييك بأنبل التحيات، وأسلم عليك بأزكى السلامات، فأنت تستحقين
أروع الكلمات التي اشتملت عليها معاجم اللغات. كل اللغات المتداولة
على وجه كوكبنا الأرضي، ففيك تتمثل أروع معاني التضحية والإيثار
وإنكار الذات، فيك يتجسد الحب الحقيقي النقي المصفى الذي لا يفوقه
إلا حب الله تبارك وتعالى وحب نبينا المصطفى صلى الله عليه وآله
وسلم.
يتلعثم لساني، ويرتجف قلمي، وتخذلني عباراتي، معترفا بعجزي عن
التعبير اللائق بك، احتراما وتقديرا ووفاء واعترافا بالجميل الذي
يطوق عنقي ولا أستطيع رده اليك في حياتي وحتى ألقى وجه ربي دونه،
وما دام عجزي قائما وقد بلغ مداه فلا أملك إلا الدعاء والتوسل
والاستجداء لله الرحمن الرحيم أن يثيبك عني خير الثواب، وأن يجزيك
عني أعظم الجزاء، فهو وحده سبحانه وتعالى القادر فقط على ايفائك
حقك المستحق علينا.
أمي الحبيبة الغالية:
أيتها الزنبقة الفواحة بأندى الروائح، ويا أيتها الواحة الظليلة
التي ما انفكت تجود علينا بالخيرات والمكرمات، أتوجه إليك مباشرة
محييا من خلالك بأنبل التحايا الصادقة أمهات شهدائنا الأبرار
الذين قضوا في سبيل الله انطلاقا من فجر الإسلام وصولا الى مناهج
الإبادة الصهيونية ــ النازية في فلسطين، والهيمنة الأميركية في
العراق وأفغانستان، وأحيي أيضا صمود وصبر أمهات وزوجات المعتقلين
والمأسورين والمغيبين ليس فقط في زنازين ومعتقلات الأعداء بل كذلك
في زنازين وسجون بعض دولنا العربية والإسلامية من ابطال الحرية
والديمقراطية والانعتاق ومقاومي التطبيع مع عدونا الصهيوني، وكذلك
مقاومي الفساد الإداري، والاضطهاد البشري، وهيمنة المتسلطين
والمتسقلين وذوي الوجوه الكالحة والمتلونة.
أماه يا أهزوجة الحياة ويا لحن الوجود
اقرأ في عينيك الذابلتين ألف سؤال وسؤال عنا، وعن حالنا وأوضاعنا،
سياستنا، عبادتنا، اقتصادنا، علاقتنا مع بعضنا البعض ومع الآخرين،
تطبيقاتنا لشرع الله الواحد القهار، ومن ثم تنفيذنا لكل الإرشادات
والنصائح التي ربيتنا عليها وأرضعتها لنا مغموسة بحليب ثديك
المبارك.
وقبل الاجابة المسهبة عن اسئلتك المحرجة اعتذر لك مسبقا بأننا
فشلنا، وما برحنا نمارس الفشل مع سبق الإصرار على مزاولته ونعتذر
منك لأننا لم ننفذ إلا النزر اليسير من توصياتك الغالية وحتى الذي
نفذناه لم نخلص النية في أدائه، فجاء فجا خالي الدسم منزوع البركة!
كنا يا أماه سادة زماننا الغابر حيث امتدت سيادتنا من الصين شرقا
إلى حدود فرنسا غربا، كنا يدا فولاذية واحدة وبنية جسدية واحدة إذا
اشتكى منا عضو تداعى لشكواه سائر البنية بالحمى والسهر.
كنا لا نهنأ إلا بهناء أهلنا وجيراننا وعشيرتنا وسائر البشر
اجمعين.
كنا نتقي الله في أنفسنا وأولادنا ودنيانا وآخرتنا، ونتقيه تبارك
وتعالى رغبا ورهباً، خوفا وطمعا، كان العالم كله يهابنا ولا نهابه،
يحسب لنا ألف ألف حساب وحساب، ولا نحسب له حسابا واحدا.
كان التكافل الاجتماعي بيننا فريضة او شبه فريضة نمارسها بحماس
وقوة دفع ذاتية لعمل الخير وخير العمل.
كنا نعمل المعروف حبا في المعروف، ونهرب من الثناء الإنساني طمعا
في الجزاء الرباني الأوفى.
كنا نفخر ونفاخر بفضائلنا التي اندثرت أو كادت تندثر تحت سياط
الجشع والطمع وعبادة الذات والشهوات.
أين الجود والكرم؟ أين النخوة والشهامة؟ أين إغاثة الملهوف؟ أين
مكارم الأخلاق؟ أين؟ أين؟ أين؟
واحسرتاه يا أماه .. لقد نكأت جراحاتي النازفة، فتذكرت قول الشاعر
أحمد فرح عقيلان:
فَتَّحْتِ في القلب مخبوء الجراحات
وهيَّجتِ في النفس أحزاني وأنّاتي
وهذا المعنى ساقني إلى قول أحد الشعراء المقروحين في حال أمتهم
وهوانها:
ولي كبدٌ مقروحةٌ من يبيعني
بها كبداً ليست بذات قروح
قائمة الهوان
واني لأقرأ في عينيك الذابلتين يا أماه ألف ألف علامة تعجب
واستفهام .. لماذا؟ متى؟ أين؟ كيف؟!
انني لا استطيع الاجابة عن كل «قائمة الهوان» التي سأطلعك على بعض
منها في هذه البطاقة النابضة بالأسى والألم. وربما تسنح فرص أخرى
لذلك، والايجابيات التي ذكرتها لك آنفا تحولت بقدرة قادر لعكسها
تماما الآن منذ أن غربت شمس المحبة في قلوبنا وانطفأت قناديل
الشهامة والمروءة في أعماقنا.
حالنا اليوم يا أماه أسوأ مما كان عليه منذ أن غيبك الموت عن
دنيانا قبيل ربع قرن تماما .. فحالنا لا يسر حبيبا ولا يغيظ حاقدا،
لا يسعد صديقا، ولا يكيد عدوا، ولست أدري هل بلغنا قمة الهوان
وتربعنا عليها، أم ما زالت هناك بقية زمنية أو جغرافية لوصولنا
اليها ولسان حالنا يقول:
إنْ كان عندك يا زمانُ بقية
مما تهين بها الرجال فهاتها!
لقد غابت شمس أمجادنا، فتفرقت صفوفنا، وتشرذمت قبائلنا وتخلخلت
اساسات عشقنا وانهارت دفاعاتنا واستسلمت كتائبنا واستنوقت جِمالنا،
ولسان حالنا يصرخ من شدة الفزع: أنج سعد فقد هلك سعيد، وكل واحد
فينا يجاهد لاستئصال أشواكه بنفسه، ويصيح من فرط أنانيته: اللهم
نفسي .. اللهم نفسي.
تحولت سيادتنا البائدة الى عبودية صارخة وصرنا عبيدا لعبيد عبيدنا
ولأسيادنا الجدد معا، واستمرأنا هذه العبودية الجديدة في أحدث
«موديلاتها» وهي في حقيقتها نسخة مطورة لاسترقاقنا ولكن تحت يافطات
تزعم أننا أحرار وأمجاد وفوارس وشجعان!
ولم يقف هواننا عند هذا الحد، ولا عند حد ممارسة النفاق والكذب
والرياء بين بعضنا البعض، بل تجاوزه الى جلال الله تبارك وتعالى
كنا نعبده كأننا نراه، فإن لم نكن نراه فهو يرانا، كنا نعبده عبادة
مطلقة كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، فصرنا نلجأ إليه عند
الحاجة الملحة اليه، نتذكره في الشدة ونتناساه في الرخاء، نرهبه
لحظة موت حبيب من أحبابنا، ولكن سرعان ما نتجاوزه عائدين إلى لهونا
وعبثنا وضياعنا، حتى الصلاة التي فُرضت لتوثق الصلة بين المسلم
وربه، أضحت عادة ولم تعد عبادة، مجرد حركات لا إرادية موزعة بين
ركوع وسجود وقيام وقعود، وتكرار واجترار لسور وآيات قرأنيه كريمة
أفقدناها معانيها السامية بغياب وعينا عنها، وسرحان عقولنا الى
ملاهي الحياة وعبثها، ولا نستفيق من ذلك برهة إلا لنردد في بلاهة
خلف الإمام «آمين». ونكرر ذلك عند أدائنا أيضا لشعائر الحج والعمرة
والتي تحولت في زماننا الأكثر رداءة إلى مظاهر ومفاخر وديكورات
اجتماعية مزيفة. |