لسان عربي مبين  -الحلقة الخامسة
 بقلم:فتحي رمضان الحاج محمد الأغا
 
 دار الفتوى



        



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين0
تواجهنا أولى مشتقات مادة  " صَوَمَ  " ضمن آيات سورة مريم المكية في قوله تعالى: ( فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا )مريم 26 .
فأنت للوهلة الأولى أمام نذر مخصص للرحمن ، والنذر هو " صوم " واللافت للنظر أن التي نذرت للرحمن صوما هي إياها نذر أمها ( إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم )آل عمران 35 .
أسرة عريقة متمرسة في النذر، الأم تنذر ما في بطنها محررا لربها  ، وتسأله القبول، والبنت تنذر للرحمن صوما ، وفي ذلكم درس قوي تضحيةً وفداءً .. هذا فضلاً عن هذا الدعاء ( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم )آل عمران 36 ، ليتضح لنا إلى مدى تكون تبعاتك نحو الذرية الحاضرة بين يديك والذرية التي في علم الغيب، فلا بد لك من الدعاء، وأن تسأل رب العالمين القبول ، إقـرأ إن شئت : ( وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين)الأحقاف15 ، ( ربنا هـب لنا مـن أزواجنا وذريـاتنا قـرة أعين واجعلنا للمتقين إماما)الفرقان74 ، ( رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء )إبراهيم40 ، وياحبذا لو أدرك أهل التربية أن المهام التربوية تبدأ منذ اللحظة الأولى في لقاء الزوجين : الذكر والأنثى0 .
لقد تبوأ آل عمران مكانة سامية لتجد سورة كاملة من القرآن الكريم تحمل اسمهم ، وتبوأت ابنة عمران المكانة السامية إياها بأن حملت سورة كاملة من القرآن الكريم اسم مريم عليها السلام .
ويُشار هنا إلى أن كلمة " صوماً " المرتبطة بالنذر في هذا السياق هي الوحيدة على هذا النمط وهذه الصيغة في القرآن الكريم، وهي قد اختصت بمريم - عليها السلام - حتى أصبحت ملازمة لها لدرجة تجعلك تسميه:(صوم مريم)
إجمال ما سبق إذاً أن كلمة " صوم " كلمة في قرآن كريم مكي، لم ترد سوى مرة واحدة بهذه الصيغة، وارتبطت بمريم عليها السلام كونها نذرت للرحمن صوما، فلن تكلم اليوم إنسيا .
أما بقية مشتقات الجذر اللغوي " صَوَمَ " فقد وردت في القرآن الكريم ضمن منظومة رياضية مثيرة - أفعالاً مضارعة ( وأن تصـوموا خير لكـم )البقرة ، ( فمن شـهد منكم الشهر فليصمه )البقرة ، وتنصَبُّ هذه الأفعال المضارعة على " صيام شهر رمضان " " صيام الفريضة " أو الصيام " الركن " ليعطي انطباعاً باستمرارية وتجدد الصيام وبقائه ركناً إلى أن يرث الله الأرض وما عليها ومن عليها … ويكون من اليسير بعد ذلك القول : إن أفعال " الصيام " لم ترد في القرآن الكريم إلا بصيغة المضارع النحوي الذي يحمل الأمر في ثناياه ، ووردت كـذلك أسـماء مُعرَّفة بأل " الصيام " ( ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون )البقرة ، رفعاً على النيابة عن الفاعل، والصيام جَراً علـى الإضافة ( أُحل لكم ليلة الصيام )البقرة ، ونصباً على المفعولية ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل )البقرة .
ومن هذا المنطلق يكون الملحظ أن كلمة " الصيام " - بهذا اللفظ - قد وردت في القرآن الكريم ثلاث مرات فقط في أيات سورة البقرة لتعنى - حصراً - الصيام الركن أو الفريضة أو الصيام في شهر رمضان - سمّه ما شئت -، لذا فإن سمعت قرآناً كريماً يتلى أو تلوته فليستقر في ذهنك أن المقصود هو صيام شهر رمضان … هذا عن الصيام حين يكون معرفاً بأل، أما حين تأتي الكلمة مجردة من " أل " فالمعنى ينصَبُّ على صيام الفدى والكفّارات " صيام " ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك )البقرة ( ياأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليـذوق وبـال أمره عفا الله عما سـلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام ) " فصيام " والملحظ في منظومة " فصيام " المقترنة بالفاء هو ملحـظ دقيـق ذلك أن كـل كلمة " فصيام " المقترنة بالفاء قد سبقها التركيب ( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم ) هذا فضلاً عن كونها مضافة إلى عدد " فصيام ثلاثة أيام في الحج " فصيام شهرين متتابعين توبة من الله " " فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم " فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا " .
فكل كلمة " فصيام " أضيفت إلى عدد محدد بينه رب العالمين جاء قبلها( فمن لم يجد) لينصب المعنى هنا على صيام فدِّى أو كفارات، ولاعلاقة لهذه الكلمة المضافة بصيام شهر رمضان .
ومن هذا الملحظ يقال: إن توظيف القرآن الكريم لهذه الكلمة قد بلغ من الدقة مبلغاً ذا تفرد وتميز يمكن بيانه فيما يلي :
أولاً : أن البيان العالي حين يستخدم كلمة " الصيام " معرفة بأل فالمعنى ينصرف إلى صيام شهر رمضان ذلك أن صيام شهر رمضان هو الصيام بكل ما تلقية هذه الكلمة المعرّفة من ظلال .
ثانياً : أن كلمة صيام قد وردت في البيان العالي مضافة إلى عدد محدد بينه رب العالمين ليتجه المقصود منها إلى صيام الكفارات والفدى على اختلاف موجباته وأنها جميعاً قد جاءت مسبوقة بالتركيب ( فمن لم يجد فصيام) .
ثالثاً : أن الكلمة إياها قد جُردت من أل وجُردت من الإضافة إلى عدد محدد ترك للشارع ليشمل ذلك): ففدية من صيام أو صدقة أو نسك … ) وكذلك ( أو عدل ذلك صياماً ليذوق وبال أمره)0
وبعد هذا التركيز البين وهذه الكلمات المضغوطات في بيان الاستخدام القرآني للكلمة ( صيام – فصيام – من صيام – صياماً – صيام … ) بحيث غدت كل كلمة منها تتجه نحو نمط محدد تعريفاً أو تنكيراً، رفعاً !أونصباً !وجراً … إضافة أو تجرداً من " آل والإضافة " فـهو فـي شهر رمضان " الصيام " وهو في الفدى وفي الكفارات ( صيام – فصيام – من صيام – صياماً ) فهل يمكن القول على ضوء ذلك: إن ما فرضه عليك رب العالمين في شهر رمضان هو " الصيام " وإن ما فرضه عليك - سبحانه وتعالى - في الفدى والكفارات هو " صيام " على تعدد مواقعها الإعرابية وتوصيفاتها النحوية؟ ذلك أن " صيام " على التنكير يكون في غير رمضان ، بينما الصيام هو شهر رمضان ،وشهر رمضان هو الصيام ، وهل أدركنا الآن أن قرآناً كريماً يفرق بين كلمة واحدة من حيث التعريف أو التنكير لتختص كل واحدة منهما بمعنى محدد … يمكن أن يستوي فيه " صوم " مع " صيام " ومـع " الصيام "؟، علماً بـأن كلمة " صوماً " وهـي ما اصطلح على تسميته " صوم مريم " ، وحيدة في قرآن كريم مكي ، بينما جاءت بقية مشتقات المادة ضمن قرآن كريم مدني ، ولكل من مدنيّ القرآن الكريم ومكيه خصائص وسمات .
ذلكم ما يتعلق بمنظومة " الصيام " ومنظومة " صيام " تعريفاً ، تنكيراً ، إضافة ، وتجرداً من التعريف أو الإضافة ، وما تضفيه أحوال هذه الكلمة من معانٍ مركزة موجهة توجيهاً دقيقاً يحدد المراد ويبينه
 بعيداً عن الخلط العشوائي في كتب السادة وكتيباتهم ومقالاتهم وأحاديثهم حيث يقذفون الكلمة من كل جانب بما يوحى أنهم لايفرقون بين " الصوم " وبين " الصيام " وبين " صيام "، فما فرضه عليك رب العالمين في شهر رمضان هو الصيام، وما فرضه عليك في غير شهر رمضان فدية أو كفارة هو صيام وما ألزمت به نفسك تطوعاً أو نذراً كفا عن كلام أو طعام ، هو بعض معنى " صوماً " .أما " صوم " فلا يمكن بعد هذا كله القول إن "الصيام" هو "الصوم" ذلك لأن اللسان العربي المبين يمضي بنا بعيداً حين يضع كل كلمة في موضعها بحيث لاتسد مسدها كلمة أخرى، ونظراً لأهمية الصيام تعريفاً فقد اختص بشهر رمضان فقط ، فالصيام هو شهر رمضان ، وشهر رمضان هو الصيام ، ونظراً لأهميته تنكيراً فقد جعل ضمن الفدى وضمن الكفارات في مسائل الحج والظهار والقتل غير العمد والحلف ، وعليه فإذا كان الصيام مُعَرفاً يغاير " صيام " منكراً ، فمن باب أولى أن تكون " صوم " غير (الصيام)، حتى وإن بدا أن الجذر اللغوي هو صام – صياماً – صام - صوماً ، ويبقى على العلماء بعد ذلك أن يمحصوا الكلمة في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم0
ومن هنا هذا التركيز المكثف على شهر " الصيام " وعلى " صيام " حينما يجعله رب العالمين فديةً ويجعله كفارةً ، لماذا الصيام بالذات ؟ 0
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين0

 

Hit Counter