|
لسان
عربي مبين -الحلقة 6
بقلم:فتحي رمضان الحاج محمد الأغا
دار الفتوى
" إنا أنزلناه في ليلة مباركة ، إنا كنا منذرين ، فيها يفرق كل أمر حكيم ، أمراً من
عندنا إنا كنا مرسلين ، رحمة من ربك إنه هو السميع العليم "الدخان3-6 .
إنها ليلة مباركة أنزل الله تعالى فيها القرآن الكريم للإنذار ( إنا كنا منذرين )
ذلك أنه سبحانه وتعالى على علم بغفلة الإنسان ، ومن هنا ضرورة الإنذار والتنبيه وقد
فرق هذا القرآن الكريم في كل أمر وفصل في كل شأن، وتميز الحق عن الباطل ووضعت
الحدود فلم يبق أصل من الأصول التي تقوم عليها الحياة غير واضح في دنيا الناس وذلك
كله بإرادة رب العالمين ومشيئته سبحانه ، لقد تجلت رحمة رب العالمين في إنزال
القرآن
( ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر
، سلام هي حتى مطلع الفجر)القدر0
بهذا التأكيد والتركيز على هذا الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته وفي
دلالته وفي آثاره على الحياة البشرية، إنها ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر؟ ،
إنك لست صاحب دراية بأمور تلك الليلة ؟
ويتولى القرآن الكريم بيان ليلة القدر تلك ، للمرة الثالثة ترد " ليلة
القدر ،وفي ثلاث آيات كريمات متواليات ليفهم من خلال التأكيد والتركيز على هذه
الليلة عظم شأنها فبم اكتسبت تلك الليلة واستحقت هذه المكانة ، وهذا التأكيد الملح
عليها بإعادة التركيب ،" ليلة القدر "؟، مما يعتبر تميزاً وتفرداً في هذه العناية
الإلهية بهذه الليلة .
لقد استحقت ليلة القدر هذه المكانة لمجموعة من الأمور :
الأول : أن رب العالمين قد أنزل فيها القرآن الكريم وقد ترك لمن يتلو السورة
الكريمة أن يحدد هو مرجعية الضمير في أنزلناه ؟ وإذا به أمر مفهوم لكل من يتلو كتاب
الله تعالى ، هذا فضلاً عن التأكيد في بداية السورة ( إنا ) وللوهلة الأولى وبعد
بيان ( المُنزِِل ) و( المُنزل ) وزمن النزول في ليلة القدر يجئ البيان الإلهي: وما
أدراك ما ليلة القدر ، لبيان قيمتها ومكانتها ، إنك لا تدري ليلة القدر تلك وليس
لديك من المعلومات شئ عنها0
الثاني : ( ليلة القدر خير من ألف شهر ) وهو بيان وإيضاح لخيرية ليلة القدر ، إنها
ليلة واحدة لكنها ليست كسائر الليالي …. وإنما تميزت عنها ، لا بل تميز قيمتها
الحقيقية ، إنها أفضل وأكثر خيرية من ألف شهر ، ويبقى الباب مفتوحاً .
1. خيرية هذه الليلة لا تتوقف عند ألف شهر ، إنما تتجاوزها وتتعداها لتكون هذه
الليلة خير من آلاف الشهور ففيها أنزل رب العالمين القرآن الكريم ، أفلا تحتفون
بأيامكم ولياليكم ؟ وليست بذات قيمة إذا ما قورنت بليلةالقدر؟ لأنها سوف تترك آثاراً
بعيدة في حياتكم ، وهي عظيمة وذات قيمة تفوق في واقعها حدود درايتكم ومعرفتكم
المحدودة ، فهي ليلة اختارها رب العالمين وفرق فيها كل أمرٍ حكيم ، حملت من
الموازين والقيم والحقائق الكثير الكثير …وحينما تولى البشر عن هذه الليلة
العظيمة إلى ليالي المجون والترف والفسق وصار الليل يحمل السواد والتآمر والقتل
والتربص والغرق في لهو ولغو الحديث والموبقات والكبائروالاستفزاز والنكوص
والعربدة والسطو واللصوصية والإفك وانتهاك أدنى حقوق الإنسان فقد ضاع السلام وضاع
الأمن ، ضاع الاستقرار إثر هذا الفهم الخاطئ لمراد رب العالمين في الليلة …. ومن
هنا ليلة واحدة تفضل ألف شهر إذا ماأعطيت حقها من القيام والعبادة والتهجد والتبتل
،أي بما يزيد على الثمانين سنة، ومن الذي يضع الأشياء في مواضعها الحقيقية سوى رب
العالمين)?.ومن الليل فتهجد به نافلة لك)الإسراء79(ياأيها المزمل قم الليل إلا
قليلا)المزمل1(كانوا قليلا من الليل مايهجعون وبالأسحار هم
يستغفرون)الذاريات17-18(ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا)الإنسان26(ومن الليل
فسبحه وأدبار السجود)ق040
ثالثاً : ( تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر
) بيان لما تم في هذه الليلة المباركة التي تنزل فيها القرآن الكريم والتي كانت
سلاماً مطلقاً طيلة التنزيل إلى مطلع الفجر بإذن رب العالمين سبحانه وتعالى .
وقد سألت السيدة عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عما تدعو
به في تلك الليلة ، فأجابها عليه الصلاة والسلام قولي: (اللهم إنك عفو تحب العفو
فاعف عني )،وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ويعتكف
التماساً لخيرية تلك الليلة العظيمة ، فالملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد
الحصى ، وقد حثنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن نكون على اتصال بهذه الليلة العظيمة
في هذا الشهر العظيم ، وأمر عليه الصلاة السلام بقيامها ، ( تحروا ليلة القدر في
العشر الأواخر من رمضان ) كما قال عليه الصلاة والسلام : ( من قام ليلة القدر
إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) مع التوقف طويلاً عند كلمتي إيماناً
واحتساباً لإحياء تلك العظمة والآثار التي حملتها هذه الليلة إيماناً بها ،
واحتساباً لله تعالى وحده دون نفاق أو رياء أو شكليات وزخارف ومباهاة ، لذا فالقيام
دون إيمان واحتساب داخلٌ ضمن مقومات زمن الرياء وطباليه وزماريه وهم كثر ، ليلة
فيها يقضى كل أجل وعمل ورزق ، ليلة سلام كامل تام، خير ٌكلها إلى مطلع الفجر من
حُرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم .
ففروا عباد الله إلى ربكم في هذا الشهر الكريم ،أحيوا ليلة القدر قوموا إيماناً
واحتساباً وادعوا ربكم أن يخفف عنكم وينصركم ويقهر أعداءكم ( إنما أمره إذا أراد
شيئاً أن يقول له كن فيكون .(
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، والحمد لله رب العالمين .
|