لسان عربي مبين  -الحلقة 7
 بقلم:فتحي رمضان الحاج محمد الأغا
 
 دار الفتوى


تشعب بنا الحديث فيما سبق من صوم مريم عليها السلام وكونها نذر أمها ، ثم هاهي تنذر للرحمن صوما .. نذر ينبثق عن نذر ، أسرة صالحة وذرية طيبة اصطفاها وطهرها رب العالمين ، وكان التوقف عند الإشارة إلى ضرورة أن تستثمر كل إمرأة ساعة الوضع في الدعاء والابتهال لرب العالمين أن يصلح هذا الوليد و يعيذه من الشيطان الرجيم ومن أقاويل الشوارع وخرّيجيها قياساً على ما استقبل به قوم مريم عليها السلام _ مريم من الاستنكار والاستغراب( لقد جئت شيئاً فريا) وعلى المرء أن يحتاط دوماً وألا يسارع إلى الحكم أو التعقيب على حدث كان إلا بعد التيقن من هذا الحدث ومن ظروفه وملابساته .. الأمر الذي وقع فيه قوم مريم من استعجالهم وسرعة تعقيبهم على ما رأوا .. ولم يخطر على بالهم حينما رأوها تحمله .. سوى الجانب السئ .. وهم يعرفون من هي مريم ؟ وابنة من هي ؟ ومن الذي تكفل بها وكيف كانت نشأتها ؟ ثم إنه لايتصور أن تحمل إمرأة لم يمسسها بشر غلاما على يديها وتتجه به نحو قومها بهذه السهولة لوكان هناك أدنى شك في هذا الغلام.. لكنه العقل البشري المتعجل دوماً المولع بالتهم والتجني .. لقد اعتدتم أن يكون الصغير نتاج علاقة بين زوجين .. وهذا هو المألوف في حياتكم .. لكن رب العالمين سبحانه وتعالى أراد غير ذلك فهو سبحانه وتعالى على كل شئ قدير .. ومفهومٌ تمام الفهم ماهي التهم والأقوال التي اتهمت بها مريم وما حبكه المرجفون من الادعاء والزور والبهتان العظيم .. ونعود هنا إلى التركيز على أن البيت الكريم لايمكن أن يقع في المحذور وكثيراً ما تلوك ألسنة الساقطين والحوش وغير أولي الأصول الكريمة تلوك الكرام وتحاول التشويش عليهم حسداً ونكدا ومرض قلوب فإذا بذلكم اللوك والافتراء يرتد على مُروّجيه ويُحيل حياتهم جحيماً وأكاذيبهم وبالاً عليهم .
على أي حال هاهو المخاض إلى جذع النخلة .. مما يعطيك تصوراً دقيقاً لما تم فأنت أمام مخاض إلى جذع النخلة ولهول ما أصاب مريم عليها السلام وما أحست به فإذا بها تتمنى ( يا ليتني مت قبل هذا) .. فهي تتمنى الموت (قبل هذا) دون أن تتم قولها واكتفت بالإشارة إليه( قبل هذا )فجاءها التطمين بألا تحزن ولا يسيطر عليها أي هاجس لما تم أو سيتم لأن العناية والرعاية الإلهية تحيط بها من كل جانب ذلك أن آلام المخاض في هذا الظرف .. وعلى هذه الكيفية .. في منطقة مفتوحة كل ذلك لم يثن مريم عليها السلام عن تمني الموت وألا يكون هذا قد حدث .. ويستمر التطمين بالنهي عن الحزن (ألا تحزني) إن أمراً كهذا يسبب الحزن في المفهوم البشري .. ولكن مراد ومشيئة رب العالمين قد تجاوزت هذا كله .. لذا فإن ما تحتاجه إمرأة في هذا الحال هو أن تأكل وتشرب .. فأنت لست معنية بما سيحدث وما سيترتب عليه إنما الذي يعنيك وما أنت بحاجة إليه هنا هو الأكل والشرب .. تشربين من السريّ وتآكلين من الرطب الجني وما هو غيرذلك فقد تولاه رب العالمين في حينه والملحظ هنا أن جذع النخلة هذا .. قد جاءها المخاض عنده .. ونفس هذا الجذع هو الذي طلب إليها أن تهزه كيما يتساقط عليها الرطب الجني لتأكل منه وتشرب من السري .. وأن تقر عينا .. أما ما بعد هذا فإنه مطلوب منك إذا ما رأيت من البشر أحداً وكلمك .. أن تجيبي بأنك قد نذرت للرحمن صوما فلن يكون في استطاعتك أن تكلمي أحداً من الإنس .. وبمثل هذه الطريقة في ترتيب الأولويات يمكن أن يكون لكل حدث حديث .. والإشارة هنا يمكن أن تتجه إلى مريم عليها السلام حينما كفلها رب العالمين زكريا عليه السلام .. الذي كان (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً) إن وجود مريم عليها السلام في المحراب وتحررها من كل مشاغل البشر مصداقاً لنذر أمها ..واختيار واصطفاء رب العالمين إياها .. اقتضى أن يصلها الرزق في مكانها دونما أي مجهود منها ..بينما مريم عليها السلام الموجودة الآن في المكان القصي إلى جذع النخلة .. وهي تعاني آلام الوضع وما سوف يترتب على ذلك من أحاديث المجتمع .. وهي تفكر وتتمنى الموت على أن يحدث لها هذا .. اقتضى أن تبذل مجهوداً في الشرب من السري تحتها .. وأن تبذل مجهوداً آخر في الأكل من الرطب الذي سوف يساقط عليها ولكن الرطب لايتساقط وحده . يجب أن تبذل هي المجهود وتهز جذع النخلة كيما يساقط الرطب الجني لتأكله .. إن إمراة في مثل حالك من المخاض لا تحتاج إلا للأكل وللشرب وهاهو مصدر الأكل ومصدرالشرب ولعل في ذلك فهماً يقود إلى ضرورة أن يتوفر للمرأة في مثل هذا الموقف الطعام والشراب .. كذلك فإن الطعام والشراب فضلاً عن تأثيرهما المرتقب على إمراة في حالة وضع فإنهما يقدمان لها وهي في حالة نفسية بيّنتها الآية الكريمة أوضح تبيين (ياليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسيا) ولعلماء النفس والدارسين أن يتوقفوا طويلاً عند هذه الآية الكريمة ليستنبطوا منها ملائمة الطعام والشراب لحالة المخاض وللوضع النفسي الذي سيطر على مريم عليها السلام .. ولظروف المكان الذي تمت فيه عملية الوضع إلى جذع النخلة نفس الجذع الذي أمرت بهزه ليساقط عليها الرطب الجني .. عملية وضع غير مسبوقة بكل ظروفها وملابساتها إذا ما قورنت بعمليات الوضع في هذا الزمن الذي يتطلب أطباء ومختصين وأسِرّة وغرفاً وكافة وسائل الراحة ومتطلباتها .. ذلك حتى نضع في الحسبان كيف وأين يولد العظماء وأين وكيف تلد الكريمات .. وطالما أن اصطفاء وتطهير ورعاية رب العالمين قد شمل آل عمران فما عليك بعد ذلك أن تبحث عن كيفية الولادة ولا عن مكانها .. فمكان الولادة وظروف الولادة لادخل لهما البتة في تكوين شخصية الوليد أو الحكم عليه في مثل هذه الحالة أو مثيلاتها من الحالات فليس بالضرورة أن يولد العظماء والنجباء وسط جو من الترف والبهارج والراحة والعناية المكثفة . والموقف هنا ليس موقف المباهاة ولا المفاخرة الذي نجده لدى كثير من القوم الذين يتوهمون أن اختيار المكان أو المستشفى أو الطبيب هو أساس لابد منه في النجابة والعراقة والأصالة .. ذلك أن العنصر الإيماني هو فوق ذلك، وهو يبز ذلك كله .
أمرت مريم عليها السلام أن تهز جذع النخلة ونهيت عن الحزن مع أن الموقف بالنسبة لها ليس موقف طعام ولاشراب ،إنما هو موقف حزن وضيق .
ومن هنا تأتي المعجزات الإلهية مناسبة للموقف وللحدث حاملة الشفاء والراحة والاطمئنان، لقد كانت مريم عليها السلام وهي في المحراب .. غير مريم عليها السلام عند جذع النخلة في مسألة الطعام والشراب .. يتضح ذلك من مجموعة الأوامر التي تلقتها وهي إلى جذع النخلة ..بينما لم ترد أي أوامر إليها والرزق عندها .. وهي في المحراب .. وتجدر الإشارة هنا إلى هاجر زوج إبراهيم عليه السلام حينما أسكن من ذريته بواد غير زرع ،، الطفل جائع .. لاحليب ولاماء .. الأم تسعى بحثاً عن الماء مابين الصفا والمروة .. فإذا ما بذلت جهدها وأنهكت قواها تفجر الماء بين يدي الطفل إسماعيل عليه السلام وهو هبة رب العالمين لأبيه .. (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحق إن ربي لسميع الدعاء) وقد سبق أن بُشر به أبوه من قبل مع اختلاف البشرى في حالة مريم عليها السلام ، وفي حالة هاجر عليها السلام بل وفي كافة حالات غلمان البشرى لإبراهيم عليه السلام ، ولمريم ، ولزكريا ، والملحظ هنا أن غلمان البشرى .. هم لأم وأب بينما عيسى عليه السلام ذو خصوصية وتفرد بأنه لأم فقط .. هذا فضلاً عن كون البشرى بإسماعيل قد زُفت إلى أبيه إبراهيم عليهما السلام ، بينما البشرى بإسحاق قد زفت لأبيه إبراهيم عليهما السلام وكذلك لأمه سارة عليها السلام .. أما البشرى بيحيى عليه السلام فقد زفت إلى أبيه زكريا عليه السلام دون أمه ..
أما في موضوع عيسى عليه السلام فقد زفت البشرى لمريم عليها السلام .. ولعل في ذلك كله ما يمكن أن يفضي إلى متابعة ذلك ومحاولة فهمه بطريقة دقيقة .
اللافت للنظر والتأمل في غلمان البشرى هؤلاء أنهم جميعاً نُعتوا بكلمة ( غلام ) ولا يغيب حس العربية في هذا الموطن ليبين أن الغلامية هي مرحلة متقدمة فوق الطفولة ودون الفتوة أي أن البشارة هنا تحمل معها بعضاً من الغيب في أنه سيولد ويكون طفلاً ويكبر ويصل إلى سن الغلامية بما يتناسب ومفهوم البشرى ،بالإضافة إلى أن كل غلام من غلمان البشرى قد تفرد .. فمنهم غلام حليم ، غلام عليم ، غلام زكي .. غلام اسمه يحيي .. غلام مصدق بكلمة من الله … غلام كلمة من الله اسمه المسيح عيسى ابن مريم .. يبقى بعد ذلك التوقف قليلاً عند كون سارة عراقية .. تحمل سمات معينات لأهل العراق قد لا تتخلف عنهم ومنها أن سارة آثرت أن تكون قائمة إلى جوار إبراهيم عليه السلام وهي مع انها ضعيفة لا تفارقه .. فكانت بشارة الملائكة هنا لإبراهيم وكذلك لسارة، بينما كانت البشارة بإسماعيل عليه السلام مقتصرة على إبراهيم فقط .. ولم تشمل ( هاجر ) المصرية والتي تحمل هي الأخرى سمات معينات لاتتخلف في أهل مصر ، أما زكريا عليه السلام فكانت البشارة له هو فقط دون زوجه وأمر طبيعي أن تكون البشارة في حالة عيسى عليه السلام إلى أمه فقط أما ما يثير التساؤل فهو أن البشرى بإسماعيل قد زفت فقط لأبيه بينما البشرى بإسحق قد زفت لأمه ولأبيه .. فهل يرجع ذلك إلى طبيعة الزوج .. تلك عراقية قائمة إلى جانب إبراهيم ،، بينما الأخرى مصرية وعلى ( ضرة) راضية بحالها ووضعها ولاتزاحم زوجها كسارة ، حتى وهومع ضيفه وإن كان يُستشف من ذلك أنها ربما كانت قائمة إلى جواره احتراماً واستعداداً لخدمة الضيف وإمعاناً في إكرامه ،، ثم تبقى حالة زكريا عليه السلام الذي بُشر بغلام اسمه يحيى زفت البشارة إليه وحده فهل ينبثق عن ذلك أمر ما يكتنف هذا ليفسر لنا أويكشف جانباً من علاقة الزوج مع زوجه .؟
على أي حال قد يمتد الموضوع ويطول وتسلم كل جزئية فيه إلى جزئية أخرى ، ذلك أن البيان العالي حين يذكر قصة آدم عليه السلام فإنه لا يستعمل سوى كلمة ( زوج ) وبمعنى أدق ( زوجك) على صيغة الخطاب وهما أول زوجين من البشر ذلك أن زوج آدم عليه السلام كانت وحدها الزوج ولم تكن إمرأة من أخريات غيرها .. وقد كانت الزوجية هي مناط العلاقة بين آدم وزوجه ، (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) فآية الزوجية هي السكن ، المودة ، الرحمة (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) (ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة)( فقلنا ياآدم إن هذا عدو لك ولزوجك) فإذا غابت حكمة الزوجية من السكن إليها والمودة والرحمة بخيانة أو اختلاف عقيدة أو عُقم أو ترمل عدل البيان العالي عن استخدام ( زوج ) إلى إمرأة مضافة إلى اسم ظاهر أوضمير .. ( إمرأة العزيز.. إمراة فرعون .. إمرأة نوح .. إمرأة لوط .. إمرأتي .. إمرأته ) أما حين تأتي الكلمة ( إمرأة ) كانت بكراً أو ثيباً .. ومن هنا ومن خلال هذا الضغط والتركيز الشديدين يمكننا أن نفهم بكل يسر معنى قوله تعالى :(وقال نسوة في المدينة إمرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه) ولم تأت زوج العزيز وكذلك (ضرب الله مثلاً للذين كفروا إمرأة نوح .. وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما) إذ جعلت الخيانة كلا منهما إمرأة لا زوجاً .. ومن هذا المنطلق نفسه يمكننا أن نفهم قوله تعالى:( إذ قالت إمرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني) لنستنتج من ذلك أن آية الزوجية قد تعطلت بترمل (1)، ولذا جاءت ( إمرأة عمران ) وليس زوج عمران ، ولعل في ذلك إجابة على السؤال ما هو دور عمران في هذا النذر؟وحين نعود إلى إمرأة عمران ينبغي أن نتوقف عندها في البيان العالي ( إذ قالت إمراة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني إنك أنت السميع العليم ، فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا ؟ قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء) .
بهذه الدقة وهذا الترتيب ترد قصة إمراة عمران بداية بالنذر المحرر والوضع ، وهذا التفصيل لقصة الوضع والتصور أن الذكر ليس كالأنثى في نظرها إذ ربما كانت تريده ( ما في بطنها ) ذكراً ثم ذكرت التسمية وأعقبت ذلك كله بالدعاء هذا الدعاء القوي العجيب المؤثر المستجاب .. الذي تجاوز الحاضر إلى المستقبل فهي لم تقصر الدعاء على الأنثى التي وضعتها مريم بل امتد بها الدعاء ليشمل مريم وذرية مريم وكان أفضل الدعاء وهو وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم وأي دعاء أفضل وأحوط وأوجب على الأمهات ليقمن بترديده في ساعات الوضع .. (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم )،إن المسؤولية المنوطة بالأم في هذه الساعة الحرجة هي مسؤولية عظيمة وماذا تريد الأم لابنها أو ابنتها .. أكثر من أن تعيذه وذريته بالله من الشيطان الرجيم .؟. فإذا ما كان ذلك فكل شئ بعده هين .. وبمثل هذه الروح الإيمانية ينبغي أن تكون الأمهات رغم آلام الوضع والمخاض .. وظروفهما .. فالدعاء مخ العبادة ، والملحظ هنا أن الأنثى التي أرادها رب العالمين هي أعظم شأناً من الذكر .. هذا فضلاً عن أن قصة إمرأة عمران قد بدأت منذ أن كان النذر (رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني ).. ثم جاءت التفاصيل في التسمية والدعاء والتقبل وكفالة زكريا إياها، أما مريم عليها السلام فهي في المحراب مصطفاة مطهرة تقنت لربها وتسجد وتركع مع الراكعين، وتتلقى الوحي والبشرى وكل التفاصيل الدقيقة فهي قد سمتها أمها مريم، أما ابنها فقد سمّاه رب العالمين ( اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين) وبكل هذه الصفات القويمة تلقت مريم الوحي وأصبح لديها فكرة كاملة عن هذا الوليد المتميز فكان بذلك مصداقاً لدعاء إمراةعمران الذي مازال يسري أثره بعدما شمل مريم ليمتد إلى ذريتها (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) تلك بركة الدعاء00 دعاء الأم التي لم ينحصر دورها في الحمل والوضع إنها تنذر للرحمن صوما، ولم يكن بعد ذلك سوى أن تشير إليه ليتولى المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام الكلام ،( فأشارت إليه .. قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ، قال إني عبد الله أتاني الكتاب وجعلني نبيا ، وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ، وبرا بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقيا ، والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ) وهكذا كانت مريم عليها السلام نذر أمها وهمزة الوصل بين أمها وبين ابنها .. دعت لها أمها ولذريتها في ساعة الوضع فامتد الدعاء ليشملهما معاً ، ثم دعا لها ابنها وبين بره بها : (وبراً بوالدتي ) وبين أنه عبد الله وليس الجبار الشقي .. وهكذا أعاذ رب العالمين مريم وذريتها من الشيطان الرجيم وقد كان .. ليكون عيسى عليه السلام آخر ذرية آل عمران من ناحية أمه .. ولذا فإنك تلحظ في قوله تعالى: ( فأتت به قومها تحمله) أن قوم مريم هم الرجال أو الذكور الذين هم على قرابة من أبيها بينما كل نبي أو رسول أرسل إلى قومه .. قوم نوح .. قوم موسى .. وأياً كان الأمر.. فمن ربطتك بهم عصبية الأب .. أي كان أبوك منهم فهم قومك وهكذا تطرد كلمة قوم في القرآن الكريم لتبين هذا المعنى ويأتي الاستثناء حينما يرد ذكر أدم عليه السلام فلم ترد( قوم آدم )، ونفس الشئء يقال بالنسبة لعيسى عليه السلام إذ لم ترد (قوم عيسى) ـ ذلك أن آدم وعيسى عليهما السلام لا أب لكل منهما وهنا روعة البيان العالي في قوله تعالى (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) ، مع مراعاة الفارق في أن عيسى عليه السلام جاء لأم بلا أب .. أما آدم عليه السلام فلم يكن من أم ولا أب .

ولعل خاتمة هذه الخواطر تكون مناسبة ليقال: إن مريم عليها السلام التي أُمرت بأن تأكل وأن تشرب .. وأن تقر عينا وأن تنذر للرحمن صوماً بألا تكلم اليوم إنسيا .. وهي في حالة النفاس .. في هذه القصة المميزة ، مريم هي ابنة عمران .. وأمها هي نصابات إمرأة عمران .. ولآل عمران هؤلاء سورة كاملة في القرآن الكريم وردت مدنية .. إمرأة عمران ومريم ابنةعمران وكله ضمن قرآن كريم مدني .. أما مريم فقد وردت في القرآن الكريم تحمل اسم سورة مكية كاملة ، بينما يرد اسم مريم كله ضمن قرآن كريم مدني ، ومن هنا القول: إن كل( مريم )، في القرآن الكريم قد وردت ضمن قرآن كريم مدني إلا ما ورد في سورة مريم المكية فهو مكي .
وبعد فلنتأمل قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ).. هنا بيان للاصطفاء .. أي أن تأخذ صفوة الصفوة .. ذلك أن الاصطفاء يكون من أصل التكوين بالخلقة .. ثم عُد واتل قوله تعالى:( يامريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين) اصطفاء عام لآل عمران ثم اصطفاء لمريم .. وتطهير .. ثم اصطفاء خاص لمريم على نساء العالمين، فهي صفوة من صفوة من صفوة أو هي صفوة الصفوة .
وصلّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين0

(1)التفسير البياني -بنت الشاطيء-دار المعارف-مصر0
 

Hit Counter