لسان عربي مبين  -الحلقة 8
 بقلم:فتحي رمضان الحاج محمد الأغا
 
 دار الفتوى


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام عل نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجميعن .
(وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ) .
دخل رجلان على داوود أحدهما صاحب كرم ، والآخر صاحب غنم ، قال صاحب الكرم : إن غنم هذا قد أكلت كرمي ولم تبق منه شيئا ، فحكم داوود لصاحب الحرث أن يأخذ غنم خصمه مقابل ما أحدثت من إتلاف الكرم ـ مر صاحب الغنم بسليمان وأطلعه على حكم داوود ، دخل سليمان على أبيه قائلاً : يانبي الله ! إن الحكم غير ماحكمت فيه ، فقال داوود : وكيف ؟ قال سليمان : ادفع الغنم إلى صاحب الكرم لينتفع بها ، وادفع الكرم إلى صاحب الغنم ليقوم عليه حتى يعود كما كان ، ثم يعيد كلٌ منهما ما تحت يده إلى صاحبه بمعنى: أن يأخذ صاحب الكرم كرمه بعد أن يعود إلى طبيعته، وأن يأخذ صاحب الغنم غنمه بعدما يستفيد منها صاحب الكرم مقابل ماحدث من تلف وخسائر في كرمه ، قال داوود : الحكم ماحكمت ، وأمضى حكم سليمان ، ذلك أن حكم داوود عليه السلام كان اجتهاداً منه وكان حكم سليمان تفهيماً وإلهاماً من رب العالمين سبحانه وتعالى الذي شهد الحكمين .
لقد اتجه داوود إلى التعويض لصاحب الكرم بينما اتجه حكم سليمان إلى البناء والتعمير ، فأنصف الطرفين بإلهام رب العالمين ، دون أن يحمل صاحب الغنم كامل التبعة بما توحي به كلمة (نفشت) التي تصورماحدث ليلاً .. وعن عدم قصد وإصرار فلا ينبغي أن تجازي صاحب الغنم بشكل قطعي ، وقد كان حكم سليمان فتحاً من الله تعالى بالإضافة إلى أن حكم داوود كان صواباً إلا أن حكم سليمان كان هو الأصوب كيما ندرك جميعاً أن اجتهاد داوود كان فردياً بينما جاء حكم سليمان إلهاماً من رب العالمين، وفي هذا نموذج لشكل من أشكال الحكم في قضية واحدة بما يُنير أمام الحاكمين الدرب للاجتهاد والتدبر وحساب كل الأمور في الحكم ـ لقد ابتلى رب العالمين داوود وفتنه في الحُكم فصبر داوود واجتاز الامتحان بسلام .
والملحظ في هذه الآية الكريمة أنها جاءت على الترتيب فذكرت الأب ( داوود ) أولاً ثم (سليمان) الابن ثانياً ويشتف من ورود(إذ) الحالية مرتين ضمن الآية الكريمة أنه وصف حي للواقعة وللحكم يشهده رب العالمين هذا فضلاً عن تعدي الفعل ( يحكمان )إلى حرف الجر(في) لبيان القضية موضوع الحكم ، والحكم المرتقب فيها فالقضية المركزية التي تركز عليها الآية الكريمة ( يحكمان في الحرث) لأن الضرر فد لحق بالحرث بينما الغنم قد نفشت ولا يكون النفش إلا ليلاً مما يتطلب حكماً صائباً دقيقاً لايُضَر بطرف ـ ولايكون الحكم في القرآن الكريم إلا في مختلف فيه ، ليلفت النظر إلى الاستخدام القرآني الدقيق لمادة حكم – يحكم – احكم متى تتعدى لحرف الجر( في) (إذ يحكمان في الحرث) فالحرث هو المحور الأساس والحكم فيه،أما الجربالباء ( فاحكم بين الناس بالحق) وذلك في القضايا العامة، كما يتعدىالفعل إلى الظرف ( بين) ليبين موضوع القضية ونوعية الحكم الموصى به أو المأمور به، ويكون الفعل مطلقا لايتعدى لا إلى حرف جرولا إلى ظرف وكل حالة من هذه الحالات تتطلب دراسة خاصة ومستقلة للوقوف على جوانب من الإعجاز المذهل لآيات كتاب العربية الآكبر ، فتارة تجد القرآن الكريم يركز على الحكم بالعدل ، وأخرى الحكم بالقسط وثالثة بالحق ، ورابعة بما أراك الله،وخامسة بما أنزل الله، أما الحالة الرابعة فيلاحظ أنها مشابهة لما حكم به سليمان ( ففهمناها سليمان) لتجئ المفردة وحيدة في القرآن الكريم ( ففهمناها) ، وإن كان المعنى ينصب على أن لاجتهاد الحاكم وابتهاله إلى ربه أن يريه الحكم الدور الكبير في الحكم المناسب ، فحينما تحكم بالعدل عليك أن تثبت الحق لصاحبه ، أما الحكم بالقسط فإن عليك أن تنصف المظلوم وأن تردع الظالم 0
قضية أخرى تعرض على داوود: يتسور الخصم محرابه فيحس بالفزع ويبدو أن لب المسألة كلمة ـ خصمان بغى بعضنا على بعض ، هكذا يبدو أدب الخصام وتعرض القضية على داوود وهذه المرة يتعدى الفعل ( فاحكم بيننا بالحق) هذه المرة بين خصمين بينما في السابقة يحكمان في الحرث فالحكم هنا منصب على الحرث وهو قائم وممارس بينما في قضية الخصمين لم يبدأ الحكم بعد ، وبدأ الخصمان يسردان القضية وكلاهما يريد الحق (ولا تشطط) وطلب الهداية إلى سواء الصراط ، وإذا بصاحب النعجة الواحدة يسرد القضية بشكل راقٍ أيضاً من أدب الخصام( إن هذا أخي) أي أدب وأي صبر !وأي توكيد هذا وأي خطاب ، هل بقيت أخوة بعد هذا ؟ ولكنه أدب الخصام رغم البغي ، النزاع ، إلا أنه ( أخي ) ذلكم من جوانب أدب الخصام ، حبذا لو سلكه الفرقاء بمنأى عن العصبية والعشوائية الفئوية والطائفية التي تعيث في الأرض الفساد لينجم عن ذلك قتل وسفك دماء ضحايا أبرياء تسخيرا لمآرب زمر من الغاوين الغافلين0
والحمد لله رب العالمين0

Hit Counter