|
ثقافة الهزل
بقلم/فتحي رمضان الحاج محمد الأغا
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حين
تسود العشوائية وتعلو أصوات الرعاع، وتنمو أساليب الخداع والتغاضي، وتنعدم
الأحاسيس، ويغدو كل شيء ممكنا، وتتعدد الولاءآت، ويحيا النشء على غبار الفصائل،
وتنعدم الضوابط في كل ملتقى ومجلس،وتُؤصّل العداوة والبغضاء بين بني وطن واحد لحساب
فريق أو فصيل،ويطوف المرتزقةوالمرتزقات يعملون تحت بند من بنود صاغها قصار نظر،حين
يسود ذلك كله وأكثر منه، فمن شاء أصدر صحيفة وافتتح موقعا، وشرع يمارس عملا سيئا،
وهو يصرف نظر الأمة عن حقوقها وعن الواجبات، ليختصر لها فلسطين التاريخية في 365
كم2، تدعى قطاع غزة كانت محررة قبل الانتخابات الأخيرة، وانقلبت محتلة بعد
الانتخابات، بينما تبارى القوّالون والمنشدون:(غزة رجعت كاملة لينا واحنا اليوم في
عيد).
وحين يكون في قوم من لا يحترم حقوق الملكية الفكرية، ويختلس أفراح ومناسبات وإبداع
الآخرين ليخلعه على المشهد الجزئي الفلسطيني، دون أدنى إشارة لذلك، وحين تغمرنا
ثقافة الأدعياء ولايكون لنا شِعْرنا وشخصيتنا وتحضيرنا لاحتفالٍ بفصلٍ أحادي الجانب،
لا يستحق الثمن الباهظ الذي دُفع لتغليب الجانب الشكلي منه على الجانب الواقعي
الحقيقي المتمثل في حصار بحر وجو وبر، وعملة مازالت متداولة وسائدة،وبطاقات هوية
حمراء أو خضراء والأمر سيان، طالما أن المرجعية النهائية هي للصهيوني الذي يتحتم أن
يبتّّ في كل أمر من أمورك بداية بطفلك الرضيع يضاف إلى هويتك الفلسطينية!! ونهاية
بحركتك اليومية العادية، كل هذا هو النتاج غير الشرعي لثقافة الهزْل التي فتحت
الأبواب لقلب الحقائق، ونسج البطولات، وتأليه أفراد واصطناع عباقرة ومهرجين في
مناحي الحياة اليومية الفلسطينية البائسة، واستجلاب أعوان ومرافقين وأمناء أسرار،
محققين ومحققات، افتتاح مكاتب، واستحداث مغانم بل مناصب لايسمن ولا يغني هرجهم
ومرجهم من جوع، وهم يمتهنون سياسة خلق المشاكل وصناعة الحقد والمقالب، وتأصيل
السرقة والمناهب والنصب والاحتيال وخلق خصوم وهميين، والدفع نحو التصادم.
ليست هي المرة الأولى التي ينقلب فيها أبناء الأفاعي من قطاع غزة فقد سبقت في سنة
1956م، وتم كل شيء بلا ضجة ولا ضوضاء ولم يكن ذلك هو النصر العزيز المراد، وإن كان
يفوق ماحدث هذه المرة من عدة نواحٍ، فهو لم يترك سيطرة على معابر ولا بحر، ولم
يتطلب نحت أبطال وفاتحين أخيار ولا حملة إعلام وأعلام وكلام، ولم ينجم عنه هذا
التغافل المقصود عن حق العودة، ولم يُروَج لسياسة التوطين يحمل لواءها الانتهازيون
والمتلوّنون الذين يتباكون بخبث على مصير الشعب الفلسطيني وأطفاله، وانقطاع المدد
عنه، وكأنما تبدلت حياة الرفاه والترف والزخرف إلى ضنك عيش، و توقفت قوافل الخير
والإحسان المتتابعة، وصرنا من بعد عزّ أذلة.
بعدما كانت أبواب ديارنا كمواقف السيارات تعج بأهل الخير والإحسان المسارعين في
الخيرات، فلم نعد نجد متسعا للطحين والسكر والخيام والأدوية، ولنشاطات الجمعيات
الأهلية ذات المئات التي تعمل على قدم وساق، وصار المرء منا يشعر بالخجل والحرج
لأنه عاجز عن الشكر والامتنان، ويتقنص الفرص للتشرف بلقائكم والتشكر لكم، إيــْهِ
أيها الكرام، لقد خسرنا الخسارة الفادحة فبعدما كنا نبدل سياراتنا وأثاث بيوتنا كل
سنة مرة ها هو العالم يحاصرنا ويهددنا، لقد عمد صبيان ومراهقون لم تشدد أعوادهم
الخطوب والنوازل إلى العزف على وتر حياة الشعب الفلسطيني، لا لأنهم معنيون بها -وهم
غير مفوضين بذلك- بل خشية على صفقاتهم المريبة والمردودات المالية المفتوحة التي
يجنونها غصبا وظلما وعدوانا وسحتا، بينما الشعب الفلسطيني تهمه حقوقه وممتلكاته
أرضه ودياره.
إن طفرة الثراء والكسب المشبوه التي أصابت هامشا ممن لاخلاق لهم هم وأشياعهم
وأبواقهم لاتبرر لأيّ كان منهم أو منهن أن يقدم تنازلات باسم الأغلبية التي ما تزال
وأبناؤها والأسباط تتنسم ريح القرى والمدن والعُرُش،وتصر على حق العودة الكريمة
والمشرفة، ولا ترتضي عن المجدل واللد.. حيفا وصفد وهربيا وبربرة والجورة بديلا،
والعبرة بالأغلبية.التسلط على رقاب وأعناق العباد والتطاول على البرءآء، والتسابق
في الظلم والمعاصي وانتهاكات حقوق الإنسان وحقوق الأطفال والمعاقين واللقطاء!!
مهازل سحق الرأي والفكر والتلويح بالمعتقلات، واجتباء الأذناب والمروجين، من
المشبوهين وخريجي الطرقات الذين لاوازع لهم ولا هم سوى لصق التهم، وشراء الذمم
والمقايضة على الموقف والشعار والهدف والمنصب وتسخير وسائل الإعلام المسموعة
والمقروءة، وإشاعة الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتسويق أنباء الفاسقين وسياسات
التشفي ومعالم القهر الاجتماعي المتعمد والمقصود لتمس أسرا وعائلات طيبة كريمة،
آمنة مطمئنة عافّة عفيفة مسالمة يأتيها رزق ربها رغدا، فما انفكوا تهميشا وإساءة
وقصدا مقصودا لوأد نخبة المفكرين وأولي الرأي والمبدعين
.إن الألى قذفت بهم المقاديرممن عمُوا وصمّوا ثم عموا وصموا وزينت لهم الشياطين
أعمالهم والوقاحات، فوهموا أن كلا منهم هو المهدي المنتظر والمخلص المرتقب على وهج
الأضواء الصهيونية الأمريكية ليمعنوا في الإهانات، ثم ليعودوا صفر اليدين قد غرتهم
الأمانيّ وهم يتسلقون الوهم وظنوا أن زينة المواكب وصور المآدب والعزلة عن حركة همس
وأنين الشارع هي سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، ولا ريب أن هؤلاء قد خَلَوا إلى
أنفسهم وشياطينهم وشعرائهم وحدثتهم النفس الأمارة بالسوء:(إنما أوتيته على جهلٍ
عندي)، وكم من مرة ردد كلّ مع نفسه، وهو يستهجن ما آل إليه حاله:
أتذكر إذ لحافك جلد شاة وإذ نعلاك من جلد البعير ؟؟!!
فسبحان الذي أعطاك ... وعلّمك الجلوس على السرير!!!
والآن ....
إلامَ أفضت ثقافة الهزل تلكم؟ الإجابة عن هذا السؤال تمتد لتشمل أبعادا مترامية يشق
على المرء استقصاؤها في مقال، ومن الممكن واليسير طرح بعض النقاط التي تساعد في
تأمين نواة مناسبة لتلكم الإجابة على النحو التالي: الاستهتار بكل شيء، ذلك أن عدم
وجود هدف ولا سياسة مرسومة واضحة المعالم حيال أي شأن جعل الحالة العامة عائمة
وغائمة فلم يعد لأي أمر قيمة ولاحرمة ولا ضوابط أو محاذير، بمعنى أن الإباحة هي
الأصل المعتمد ،فتبخرت القيم والموازين ،تمثل ذلك في أن بإمكانك أن تكون أي شيء،فمن
الممكن أن تصبح جنرالا أو في رتبة الملحقين بالسلك العسكري وليس لديك سادس
ابتدائي،وتعطي نفسك ما تشاء من الصلاحيات في اقتناء المطايا والمراكب والمشارب وفتح
المعتقلات والعدوان والتجني والكيد والتشفي والتطاول والتهديد والوعيد وقرض الشعر
والحديث في مقارنة الأديان وحوار الحضارات، والتصدي لتفسير آيات من القرآن الكريم
والحديث النبوي الشريف، وقد يبعد بك المقام لتصبح ذا مذهب فقهي مستحدث تروج له مع
الجلساء والحواريين، وإن شئت في صحيفة أو إحدى وسائل الإعلام لتطل على القوم بطلعتك
البهية لتناقش بلسان عربي سقيم أهم مشكلات اللغة العربية في المدارس والجامعات وسبل
وضع الحلول الملائمة، علما أنك نسيت حروف الجر التي درسها لك المرحوم الأستاذ اعطيش
أبوشقفة أو الأستاذ:اهديب كريزم في الصف السادس، وتبدو مهتما بالتعليم في الوطن ولا
تبخل بالنصائح على المستمعين أو المشاهدين والقراء الكرام، وقد تُوجه لك دعوة خاصة
لافتتاح جامعة أو مركز ثقافي أوصرح علمي، وربما تشارك في إعلان نتيجة الثانوية
العامة على الهواء مباشرة لتنطق: (إحمد حسن الآضي)، وستنظر إلى التعليم والمتعلمين
والعلماء والمبدعين باستخفاف وازدراء لالشيء إلا لأنهم لاقيمة لهم ولا وزن، فأنت
تملك سجنهم وتعذيبهم واعتقالهم، ودخلك مفتوح.. مفتوح.. مفضوح من خيرات المنابر
وبركات الخاوات والمسالك والمعابر، وقد تشارك في المنتديات الأدبية والثقافية،
وتتكرم بتخصيص جائزة للمتفوقين ،وتصبح عضوا في جمعيات عدة: حماية البيئة، حماية
المستهلك، وحماية البحر الأبيض المتوسط، ويستقبلك الرعاع بالهتافات ويخطون بأيمانهم
المديح ومثله بالشمائل في كل زاوية وعقر دار بأناشيد الولاء والسمع والحرية.
من المنطلق السابق يغدو كل شيء حلا لك، حراما على غيرك،وبوسعك التجارة بكل شيء:
رمال ومياه المواصي، وأكل رواتب العمال الضعفاء وتدوين أسماء موظفين وهميين، وخلخلة
النسيج الاجتماعي والتفريق بين المرء وزوجه وتصنيف الخلق إلى موالاة ومعارضة تنغص
عليك تحقيق المشروع الوطني، ومن هنا تُعمل فيها السيف وتضطهدها حتى تفيء إلى أمر
الله. لقد أفضت ثقافة الهزل إلى رفعِ وضيع، ووضعِ رفيع،وإباحة التفكيك والشرذمة
وتشكيل مراكز فئوية والعبث بالدين والعرف وإلى التنكر للخير والصلاح وتجاوز كل خلق
عظيم ونهج قويم،كما فتحت أبواب الفتن والدسائس وغذّت النعرات المقيتة وغرست الشحناء
والبغضاء في النفوس،وأورثت جيشا جرارا من الموظفين ومجتمعا استهلاكيا من الطراز
الأول،ولم تكلف نفسها مؤونة توفير كأس حليب واحدة في قطاع غزة رغم أنها تاجرت بمائه
ودمائه وأبنائه، وصارت السلع المعروضة من أصوات ناخبين وخدمات مريبة لمن يدفع أكثر،
وفوق كل هذا القهر نصبح على حال ونمسي على أحوال، ونتناسى أننا تحت قهر الاحتلال
النازي العنصري البغيض، وبفضل ثقافة الهزل أجزنا لأنفسنا مص دماء الأمة وتهريبها
للخارج، وساهمنا في بناء الجدار العنصري وقضايا الاسمنت والحصمة والمحروقات،
والأدوية والمعونات وتهويد القدس واقتحام أريحا، وها نحن نتسلى بين مخالب الصهيونية
والامبريالية العالمية، على توهم أننا أحرار، وأولو قرار، وهكذا-أيها القاريء
الكريم- تقودنا ثقافة الهزل إلى المآزق، أيما مآزق إجمالها فيما يلي: 1-المآزق
الاقتصادية. 2-المآزق التربوية. 3-المآزق الأخلاقية. 4-المآزق الثقافية. 5-المآزق
الاجتماعية. 6 -المآزق الدينية.7-المآزق السياسية . 8-المآزق العاطفية. 9-المآزق
النفسية.10-المآزق اللغوية العصبية.
على هذا النمط يكون لكل مأزق دراسة خاصة به.
والحمد لله رب العالمين. 1
|