|
الــزّرِيـْـبـَـة
بقلم/فتحي رمضان الحــاجّ مــحــمّــد الأغا.
(أجبروني على خلع قميصي وجواربي ومددوني على الأرض وكبلوا يديَّ وقدميَّ
بأوتاد. وضربني شخص على باطن قدميَّ لمدة نصف ساعة تقريباً. وبينما كان يضربني على
باطن قدميَّ كان يردد: لقد حملنا الجميع على الكلام ، أتعتقدين بأننا لن نفلح معك؟
وكان يوجه إليّ الإهانات…وهاجموني وطرحوني أرضاً، فسقطت على وجهي. ووقفوا على ظهري
وبينما كنت أحاول النهوض بصعوبة ظلوا يرددون عبارة ‘يا..... ! انظري ما سنفعله بك
أيضاً.أخبرينا كم شخصاً ..؟ ولن تستطيعي ذلك مرة أخرى، سندمر أنوثتك…وعندما قاومتُ
ضربوني على جسمي وساقيَّ بمقبض فأس كبيرة وما لبثوا أن نجحوا في إدخال الهراوة في
... وكان عليها سلك كهربائي، ثم مرروا فيه التيار، فأُصبت بالإغماء، وبعد برهة،
جلبوا آلةًً تُستخدم لضخ الهواء ... وقالوا إنهم سيقتلونني…).
اتخذ التعذيب مناحي وأشكالا تفنن فيها الأوغاد واللمم كالتذويب بالأحماض ومسح
العقول والأدمغة وتشويه الخلق بشتى صفوف التنكيل ، والبتر ، والتسميم، وإخفاء
الآلاف من الأبرياء، والتستر على مختلف الانتهاكات. هذه الثقافة التعذيبية تُغذى كل
يوم بابتكارات العلم الحديث ، على الرغم من أن اتفاقيات حقوق الإنسان في أكثر من
مناسبة وتاريخ، قد نصت على عدم التعذيب وتحريمه مهما كانت الحجج والذرائع. ومن
سخريات الزمن أن يعمد الإمبرياليون إلى تجنيد الرعاع والفشلة وتلميعهم لممارسة فنون
التعذيب النابعةعن حقد اجتماعي دفين وجهل بالدين والأعراف والتقاليد.
التعذيب ثقافة الأنذال على مدى العصور يرعاه حكام أوكل إليهم مهمة تأديب شعوبهم
وترويضها على القبول بحكم مستبد وهو جريمة امتهنها الطغاة والمنحطون بهدف انتزاع
الاعترافات وقد تطرق إليه أبو يوسف في كتاب الخراج واشتكى منه بمرارة، مما يدل على
انتشاره في زمنه.
عند استخلاف عمر بن عبد العزيز صدرت عنه تعليمات تضمنت النهي عن كل صنوف التعذيب
ولأي غرض وقد حقق بعض النجاح في وقف موجة التعذيب، لكن رحيله أعاد الأمور إلى ما
كانت عليه من تعذيب المتهمين بالاختلاس ، و المتورطين فيه من كافة المراتب، الوزير
فرئيس الديوان فالموظفون وكان من الشائع أن يسطو الوزير أو رئيس الديوان على قدر من
الأموال التي تحت يديه بعلم الخليفة، ويؤجل حسابه إلى ما بعد العزل باستجواب لأجل
المصادرة.
ومن التعذيب حمل الرؤوس على الرماح لتوضع بين يدي الطاغية،انتشرذلك في الأندلس أيام
ملوك الطوائف ومن المبرزين فيها المعتمد بن عباد صاحب أشبيلية الذي أقام في قصره
حديقة لزرع الرؤوس المقطوعة ليتلذذ بمشاهدتها . ومن التعذيب الجَلد باليد أو السوط
أو الهراوة وهو المعتاد في تعذيب الاعتراف، كما استعمل في التأديب والانتقام
السياسي، والضرب باليد غالباً ما يكون صفعاً على القفا والوجنتين ولم يكن الغرض منه
الإيلام بقدر الإهانة، ويضرب بالهراوة على الكتفين والظهر والأرداف.
أما الجَلْدُ، فقد يتم دفعة واحدة أو على دفعات، ومن أمثلته جلد أبو حنيفة، مائة
سوط بأمر حاكم العراق الأموي ـ عمر بن هبيرة ـ لرفضه عرضاً بالعمل في إدارته وقد
نفذ الحكم بالتقسيط كل يوم عشرة أسواط، و الهدف من التقسيط إعطاء فرصة للتراجع
وقبول المنصب الذي عرض عليه،يذكر الغزالي أن عبد الملك بن مروان خطب ابنة التابعي
سعيد بن المسيب لابنه الوليد فرفض سعيد ورعًا ، أمر عبد الملك بتأديبه فضرب مئة سوط
في يوم بارد وألبس جبة صوف ثم صُب عليه ماء بارد .
ومن التعذيب قطع اليدين والرجلين واللسان وجدع الأنف والعبث بالسوءة، وقطع اليد
وهومنصوص عليه في الشريعة عقوبة للسارق، وكذلك قطع اليدين والرجلين، وقد توسع
الطغاة في هذه الوسيلة فطبقت على الجرائم السياسية ويترك المقطوع حتى يموت فإذا لم
يمت قطعوا رأسه. ومن التعذيب السلخ، يروي ابن الأثير أن محمد بن عبادة أسِر أيام
المعتضد بالله فسلخ جلده كما تسلخ الشاه ونقل ابن الأثير حادثاً آخر كان ضحيته أحمد
بن عبد الملك بن عطاش صاحب قلعة أصفهان الاسماعيلية يقول ابن الأثير: فسلخ جِلْدُه
حتى مات، ثم حُشي تبناً للتشهير والتخويف. وقبض المعز الفاطمي على الفقيه أبو بكر
النابلسي بعد أن بلغه قوله: لو أن معي عشرة أسهم لرميت تسعة في المغاربة (الفاطميين)
وواحدًأ في الروم، واعترف بالقول وأغلظ لهم بالكلام فسلخوا جلده وحشوه تبناً وصلبوه.
نُوديَ في الناس لحضور حفل إعدام، وبدأ اقتياد الضحايا واحداً تلو الآخر يبطح ثم
تقطع يده اليمنى وتُرمى،تقطع رجله اليسرى وترمى ، ثم يده اليسرى وهكذا يرمى بكل ما
يقطع ، ثم يُجلَس فيقطع رأسه ويرمى به.
جلد حسين بن زكرويه مئة سوط، وقطعت يداه ورجلاه، ثم كُويَ بالنار فغشي عليه،أضرِمَت
فيه النار فجعل يفتح عينيه ثم يغمضهما، ثم ضرب عنقه، ورفع رأسه على خشبة فكبر
الجلادون وتبعهم الرعاع بالتكبير!!.
اتخذ ابن الزيات فرنا من حديد داخله مساميريعذب فيه المعتقلون أينما تحرك أحدهم من
حرارة الفرن دخلت المسامير في جسمه و في التنور خشبة مستعرضه يجلس عليها المعذب إذا
أراد أن يستريح فيضرب بالسوط حتى يعود إلى جانب المسامير أو جانب النار. وإذا قال
أحدهم:ارحمني أيها الوزير، يقول له : الرحمه خَورٌ في الطبيعه،وهلك ابن الزيات
معذبا داخل تنوره الذي صممه!!.
ولما قبض على عبد الحميد الكاتب، في معية مروان آخر خلفاء بني أمية،كان يحمى له
الحديد ويوضع على رأسه إلى أن مات..
ومن وسائل التعذيب وضع الرأس في كيس مليء بالجير والشد عليه بإحكام والترك على هذه
الحالة حتى الموت اختناقاً، ومنه السم والنفخ والتجويع والتكسير والخصاء وقلع
الأضراس وخلع إحدى اليدين شدا.
لقد أوحى تصورخروج الروح من الفم عند الموت إلى الأنذال فكرة إخراج الروح عن غير
طريق الفم،يقول المسعودي في (مروج الذهب): إن المعتضد كان شديد الرغبة في أن يمثل
بمن يقتله إذا غضب على القادة أو الغلمان أمر أن تحفر له حفرة يدلى رأسه فيها ويهال
التراب عليه ويبقى نصفه الأسفل ظاهراً فوق التراب، ثم يداس التراب بالأرجل بعد سد
كل المنافذ، يكتف الرجل ويحشى القطن في أذنيه وأنفه وفمه ثم يُنفخ حتى يتضخم جسده،
وبعدها يفصد من العرقين فوق حاجبيه حتى تخرج الروح من الموضع المُتَوهّم.
ومن التعذيب قلع الأظافر، أقيمت وليمة حضرها هشام بن عبد الملك-قبل الخلافة-وعمارة
الكلبي، واقتضى ترتيب الوليمة أن يجلس عمارة أعلى من هشام، فاستكثرها هشام،وأسرها
في نفسه إلى أن أفضت الخلافة إليه، أمر أن يؤتى به وتقلع أضراسه وأظافره وجُرّد من
ملابسه ولُفّ بقصب ثم مُرّر القصب فوق جسده، وذُر عليه الملح وصُبّ الخلّ على
الجروح التي يسببها القصب.. وقُطع رأسه. أماسعيد بن جبير فقد قتله الحجاج، وظل
يتوجس خيفة من فعلته، ومات بعد سعيد بأقل من سنة، ويروى أنه كان يهذي في ساعة
الاحتضار: مالي ولسعيد.. مالي ولسعيد.. وقد رُبط بين موته العاجل، وبين قتله سعيدا..
ونُسب لسعيد قوله للحجاج أنه سيكون آخر قتيل يقتله.
ومن التعذيب التحميل على حمار والطواف في المدينة بينما أشخاص ينادون بجريمته
ويُشهّرون به، وابتكرت وسيلةللتعذيب الأدبي بأن يسقى الضحية مادة مسهلة ثم يطاف به
في الشوارع ليتغوّط على مرأى من الناس .
يستعرض عمر بن عبد العزيز سيرة بعض الطغاة ـ قبل خلافته ـ من اجتماع عدد منهم في
وقت واحد. قال: الحجاج بالعراق، والوليد بالشام، وقرة بمصر، اللهم قد امتلأت الدنيا
ظلماً وجوراً فأرحِ الناس!.
جعلت حرمة القتل والتعذيب بعض الخلفاء يتنغصون عند الموت خوف جهنم، قال عبد الملك
بن مروان: ليتني كنت غسالاً..،قال الواثق : لوددت أني أقلتٌ العثرة وأني حمّال أحمل
على رأسي.. وطلب منه العهد لولده فقال: لا يراني الله أتقلدها حياً وميتاً.
ومر هشام بن حكيم على أنباط الشام وقد أقيموا في الشمس، فقال: ما شأنهم؟ قيل: حبسوا
في الجزية، فقال هشام:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يعذب الذين
يُعذبون الناس في الدنيا، ودخل على حاكم فلسطين فحدثه الحديث، فأمر بإخلاء سبيلهم.
إنّ كل من عاصر الطغاة كان معرضا للسجن أو القتل أو الإبعاد لأي تصرف لا يرضون عنه
مما أحدث نفورًا واسعًا من سياسة الإذلال المتعمد لأي شخصية حرة تتمسك بثوابتها
إزاء شطحات وهوس الطغاة.
يقول أبو عمرو بن العلاء أحد كباراللغويين: طلبني الحجاج فهربتُ إلى وادٍ بصنعاء
فأقمت زماناً فسمعت أعرابياً يقول لآخر: قد مات الحجاج فقال الأعرابي:
لاتضيقنّ بالأمور فقدتُفرَجُ غماؤها بغير احتيالِ
ربما تجزع النفوس من الأمر له فُرجة كحل العقال. فلم أدر بأي شيء كنت أشد فرحاً
أبموت الحجاج أم بسماع البيت..؟؟!!. ويقول آخر: هربتُ من الحجاج حتى مررت بقرية
فرأيت كلباً نائماً في ظل زير ماء فقلت في نفسي: ليتني كنت كلباً لأستريح من خوف
الحجاج، ومررتُ ثم عدتّ من ساعتي فوجدت الكلب مقتولا،ً سألت عنه فقيل: جاء أمر
الحجاج بقتل الكلاب!!!.
وهذا يبين شمول الظلم بشرا وحيواناتٍ، ذلك أن الكلاب لم تكن تعارض الحجاج ولم تعتلِ
المنابر،ولم تقف حجر عثرة في وجه المشروع الوطني حتى تشملها إعداماته وتجلياته!!!.
ولطالما ندد عمر بن عبد العزيز بالحجاج في حياته مستفيداً من مكانته كأمير أموي،
ولما تولى الخلافة بعد أربع سنوات من موت الحجاج نفى أسرته إلى اليمن،يروي الغزالي
أن عمر بن عبد العزيز عين رجلاً في ولاية، فقيل له إنه كان يعمل مع الحجاج، فعزله
فقال له الرجل: إنما عملتُ له على شيء يسير، فقال له عمر: حسبك بصحبته يوماً أو بعض
يوم شؤماً وشراً.
لقدأصبح السمل و تقطيع الاطراف من فنون التعذيب الثابتة في عصورالطغاة والأدعياء
وفاقدي الأهلية. يقول ابن خلكان متحدثا عن سمل العينين :كان يؤتى بالمعتقل .. ثم
يُحمىالحديد فوق النار حتى يصبح جمرا يوضع على مقربة من وجه الضحية ويقوم نذلٌ بفتح
عيني الضحية عنوة ويقرب الوهج من المقلتين و ما هي إلابرهة حتى يذهب سواد العينين و
يغدو بياضا ليضحي المسكين كفيفا محروما نعمة البصر!!. فُعل هذا مع الخليفه
المستكفي.. ففي عام 334 للهجره سمل ابن بويه عيني المستكفي ،وخلعه و سلب منه مخصصه
الشهري، فكان المستكفي- وهو الخليفه- يقف على أبواب المساجد يستجدي الناس و
يستعطفهم ويُقسم لهم أنه كان خليفتهم!! حتى يعطوه شيئا يتقوّت به ؟؟ كان بعضهم
يُصَدّق فَيَصّدّق عليه، بينما آخرون يكذبونه ينهرونه، ويعتدون عليه بالسباب
والضرب!!! ومن أساليب التعذيب (التوسيط)، وهو ضرب الرجل بالسيف في وسطه ضربة واحدة
تشطرجسده شطرين،ومنها أن يطُرح الضحية أرضا ويُدهن جسده بكميات من الشحم ويُدثّر
بقطعة من قماش الخيام السميك الخشن، وبعد ربطه يُلقي تحت أشعة الشمس الحارقه حتى
تسيح الشحوم وتتحول البراعم المستقرة فيها إلى ديدان و حشرات صغيرة دقيقة تزحف على
جسد ه عضّا و قرصا ونهشا والمعتقل يتلوى من فظاظة الجلادين وفظاعة الآلالم دون أن
يملك لها دفعا، ليبقى على هذه الحالة حتى تفيض روحه!!!.
وتبقي الإشارة إلى التعذيب الأدبي الذي مارسه المجتمع الفلسطيني ضد نفسه،بتشجيع من
الغوغاء وسيئي التربية خلف ذرائع واهية،والمصيبة الكبرى أن من وقفوا خلف ذلك هم من
الهابطين أصحاب الجُنح والأسبقيات ،هذا فضلا عن جهلة لادين ولا ضمير ..التزموا
الصمت صمت المقابر ولم يكن منهم رجل واحد،-وإنه لقسمٌ لو تعلمون عظيم- يناقش أو
يحتج في أسوأ مجلس تشريعي سيء ذكر وسمعة، وزمن كروش وبطون ورزايا لم تتورع عن النهب
والسلب في الداخل والخارج،وعلى كافة المستويات من الجِراء فصاعدا،وصار المرافقون من
العامة ذوي شأن ورنّة،في الأعزية والأقضية،وأصبحوا مبعوثي مهمات بين القبائل،يجمعون
الهويات ويسجلون الأسماء،ويعدون وهم كاذبون . ومن وسائل التعذيب نتف اللحى، وحلق
الرؤوس،وسب الدين والرب لاستفزاز المعتقلين والتفوه بعبارات حقيرة تافهة تفاهة
أصحابها وهوانهم على أنفسهم وسادتهم من الجهلة والفاشلين الذين أوحي إليهم زخرف
القول والوعود، وقد ساد ذلك خلال سني المحنة،حين روج المغفلون والمعتوهون أن غزة
وخان يونس ودير البلح ورفح هي الدولة،وهي البديل ،بينما ،بينما صُعّد الحقد والتشفي
والانتقام من العباد بالزج في السجوون والمعتقلات،فصار النذل يتنكر لجاره وسيده
ويقذف حقدا أسود خلف ذريعة المشروع الوطني الذي جُنّد له من أراذل المنبوذين
والمشبوهين والمتملقين والمنافقين والأفاكين واللصوص والمارقين وأباطرة الفساد
نفسيا واجتماعيا وأخلاقيا وأولي الكبائر والفواحش ما ظهر منها وما بطن،من بني عرقوب
الخوالف الكواذب، وبني زُريق الثعالب أولئك الذين إن حملتَ عليهم لهثوا،وإن تركتَهم
لهثوا، وحل زمن الغفلة إذ صاروا فيه يحلفون بالطلاق!!!و توفرت لهم وسائل جديدة
لتنحية الإيمان الديني وحرية الرأي لصالح الإيمان السياسي،وتكميم الأفواه ولم يقصر
الصغارالساقطون أخلاقيا ودينيا بدافع التكوين والتركيب الاجتماعي البخس الوضيع،
فشاع الحقد والمرض والانتقام والشماتة والتجني والزور والخطيئات والكذب والافتراء،
وآخر من شكله أزواج، وابتكرت وسائل تعذيب متعددة تلقوها على أيادي شؤم، كل ذلك يا
أبا الفضل لحماية المشروع الوطني،الذي كان يقف من خلفه ومن بين يديه مجالس هوى
وطرب، ومناصب وحقائب هاملات،وانتهاكات صارخات لحقوق الإنسانية، بينما الخور والجبن
والصمت والخسةعرشّت على هامات الرّخيصين الأذلاء من مرتزقة الدين والوطنية
والمناصب،فلم نسمع احتجاجا ولا تظاهرة ولا تضامنا ولا تعاطفا لا من نواب الهوان
والذلة ولا أركان الفساد والرذيلة،ولا من صحافة الذل وأشباه المثقفين،وعنت
الوجوه-شاهت تلكم الوجوه- للذل والهوان فلا تسمع إلا همسا، ألا بُعدا وسحقا لها كما
بعدت ثمود،لم نسمع صوت مدرسين ولاقضاة ولا أمراء مؤمنين ولا ممثلي شّعب وهميين ولا
مهندسين ولاناطقين إعلاميين ولا اتحاد أدباء ولامسرحيين ولا نقاد ولا كتاب ولا
وزراء، لعمرك إنهم في سكرتهم يعمهون.
ومن وسائل التعذيب النفسي الشتم والتطاول وتحقير المعتقلين اجتماعيا،والتهجم على
عائلاتهم وأهلهم، وتاريخهم ودواوينهم ضمن مسلسل مدروس قاده الحفاة العراة الذين لا
يٌعرف لهم أصل ولا فصل ولا قوم ولا ربع ولا تاريخ ولا جغرافيا،من أدعياء المشروع
والوهم الوطني والأكاذيب والمفتريات والقهر والإقصاء الوظيفي،ذلك أنه لايهاجم
العائلات والدواوين سوى الساقطين غير أولي الأصول الكريمة من الشراذم،ليغدو الرقيق
سادة بينما الآخرون هم النزلاء الطارئون،وصار لهم خدم وحشم وأذناب من نفس
الفصيلة،فلا رادع ولا وازع ولا حياءولا مرجعية اجتماعية تزجرولا خلفية دينية،ذلك أن
أبناء الأصول الكريمة يخشون ربهم،تقيدهم أصولهم وعائلاتهم وامتدادهم الاجتماعي عن
الموبقات والفساد،أما إذا ابتُليت بشر البرية فلم يبق سوى أن يتكرموا عليك ببطاقة
إقامة مؤقتة في خان يونس أو في السطر الشرقيّ!!.
لقد كانت وما زالت وصمة عار تنكس رؤوس جميع من ساهموا وأججوا نيران الحقد والعنصرية
والاعتقالات المجانية والتطاول والعبث بينما هم في شغل فكهون يسرقون وينهبون
ويسافرون ويفسدون ويفسقون ويتسابقون إلى المخازي والحقارات لتشرف فلسطين بأكبر عدد
من اللقطاء في تاريخها الطويل خدمة للمشروع الوطني.
وصمة عار وذل وشنار في زمن المسخ الذي أفرز قاذورات ونفايات،وقوائم من المغفلين
الجبناء الصامتين الذين استحوذ عليهم الشيطان والدرهم والدينار على اختلاف مذاهبهم
ومللهم ومسمياتهم ومواقعهم، هؤلاء الذين ارتضت نفوسهم الذليلة العفنة أن تكون
مشاريع فواحش وموبقات،بينما ننعم نحن في معتقلات الجبالي وروضة بني سهيلا،ونقابة
الأنذال المشبوهين في مدرسة حيفا من أصدقاء العائلة الكريمة،الذين يتسولون الأصوات
ويزعمون أنهم جاءوا للتهنئة بعيد الأضحى،عفوا عيد الضحايا!!وكانوا ينعقون:اختاروا
أولي الخبرة،أي خبرة وأي نيلة وأي سكن وأي كذب!!بينما يتطوع كبيرهم ليبرر بهتانا
غياب أحد المخلفين الذي وعد فأخلف أكثر من مرة.أين كان هذا الوفد العتيد حينما
انتهكت حقوقنا،وانتهكت حرمات بيوتنا؟أين كانت كل مؤسساتهم الفاسدة المفسدة ومجلسها
التشريعي البائد المندثر ومنظمات حقوق الإنسان،ووزراؤكم ووكلاؤهم وخطباء مساجدهم
وأوقافهم،وعدلهم وتموينهم وتعليمهم وخارجيتهم وتخطيطهم وزراعتهم وتجارتهم
وصناعتهم؟؟ أين هم أبواق خان يونس ورفح على الأقل الذين استساغوا حياة الترف
والنعيم وعملوا لذرياتهم وأزواجهم وأصهارهم وأسباطهم ليكونوا في عليين،وما أدراك ما
عليون؟؟خيام وحور مقصورات في الخيام،مراكب ومطايا وأدوية رحلات علاج خارجية لمن
يشكو الصداعا، بعثات تعليمية لأولي الأرحام. العملةالرديئة تطرد العملة النفيسة
وتطاردها، غاب أهل القدوةوالأسوة الحسنةوحل محلهم حفنة من الرعاع عَبَد الشهوات
فتراجع الشرفاء و تكاثر الفساد فلا وقاية ولا علاج، الجرذان تعظ الناس دروسا في
الشرف والطهارة والأمانةوالأخلاق وحب الوطن، فقرٌ بلغ حدّ الكفر، وثراء إلى حد
الفحش، وتبذير إلى حد السفه، وفساد ينخر عظام المجتمع، وجرائم نصب واحتيال تتكاثر
يوما بعد يوم. كان الغني والفقير يأكلان نفس الطعام ويراجعان نفس المستشفى،ويشتريان
من نفس الدكان،ويلبسان نفس الثياب، يرسلان أبناءهم إلى نفس المدرسة، ويسكنان نفس
الحي،يشكران الله على نعمائه، ويرددان: القناعة كنز لا يفنى، والمسلم أخو المسلم
إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. تبدلت الأحوال فلم تعد
همومنا مشتركة، وحلّ التجافي محل التكافل، والتباعد بدل التقارب لأن مجتمع الأصالة
والطيبة والتسامح انقسم مجتمعين : مجتمع اللصوص، ومجتمع الفقراء أصبح لهؤلاء
مدارسهم الخاصة ولهؤلاء المدارس العامة مما يعني ظهور ثقافتين،وأنشئت مستشفيات خاصة
تسهر على صحة اللصوص الأثرياء وأخرى عامةللفقراء، وظهر نظامان للتغذية: ما لذ وطاب
لحماة فلسطين، وآخر للفقراء، وشتان بين مَنْ يرتدي القطن والحرير والصوف من أشهر
الأصناف العالمية، بينما لا تستطيع الأغلبية شراء الملابس المستعملة البالية،
ولوكلاء القضية منتجعات ودارات وقصوروأبراج ومصفحات وجيبات وواحات ومناصب تقربهم
إلى الله زُلفى، ورحلات شتاء وصيف وربيع وخريف كلها تخدم القضية،أماالفقراء فلهم
مخيمات وأكواخ، ولهم اللعنة وسوء الدار والتهميش . هذه الفوارق تثير تحسبات
اجتماعية بين فئات المجتمع بعد أن غدت تعيش حياة متباينة ومفاهيم متعارضة فيبدأ
التذمر همسا ثم صراخا فالاستقرار والفقر لا يجتمعان والأمانة والفاقة لا يسيران
معا، ولهذا كثرت الجرائم والمكائد والمصائب وعمليات النصب والاحتيال والقتل
والاغتيال،وموجات الحقد الاجتماعي التي تحدث عنها ابن خلدون في مقدمته.
أفلا حياء؟؟أين احتجاجاتكم وتظاهراتكم في سني القهر.. الفساد والموبقات؟ لاإحساس
ولا تشعرون،إن شعرةً واحدة من ولدي المعاق الذي ركلتموه جميعا بأقدامكم النجسة
القذرة حين اقتحمتم عليه هدوءه وسكينةً أنزلها عليه ربّ العالمين هي أطهر وأغلى
وأشرف من جمعكم المنهزم،ومن الحرام والسحت والعوج والزيغ الذي وليتم وجوهكم نحوه
حيثما كنتم،لم يكفكم فسادكم وجميع مؤسساتكم ولاانحطاطكم ولامجالس السوء لتتسلوا
علينا، بينما لم يجرؤ أحدكم على معارضة شكلية حين حُشِرتم لإلغاء بعض فقرات الميثاق
الوطني الفلسطيني،أولم تكونوا تعلمون يأيها الجمع المنهزم أنه ميثاق؟؟ هذا إنْ كان
أحدكم يفقه معنى الميثاق!! كلكم في الجريمة شركاء ، مؤسسات ومنظمات ومجالس وهيئات
ولجان وحقائب وحَمَلَة حطب ووزارات وتشريعي وصحافيون هزال ومرتزقة،وصامتون سواء
بسواء،لعلكم تفهمون ثم لاتفقهون،ألابُعدا للظالمين!!ألا سُحقا ثم سحقا، والثالثة أن
لعنة الله على اللصقاء الأدعياء الذين:
يمرون بالدّهنا خِفافا عِيابُهم ويَرجِعنَ من دارينَ بُجْرَ الحقائبِ!! على حينَ
ألهى الناسَ جُلّ أمورهم فَنَدْلاً زُريقُ المالَ ندلَ الثعالبِ!!! وظن أولو
الزريبة أنهم مانعتهم مناصبهم من الله،فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا،بعد أن أزكمت
جيفهم وفطايسهم-في الداخل ودول الجوار- أنوفنا ليحرروا لنا فلسطين كذبا ومَيْنا.
إنّ هذا لهوَ البلاءُ المبين. |