المخالفات الاقتصادية

.بقلم/ فتحي رمضان الحاج محمد الأغا
21
/09/2007

 فتحي رمضان الاغا

 

 

 

المخالفات الاقتصادية

بقلم/فتحي رمضان الحاج محمد الأغا

هناك من يوظف النصوص والقوانين واللوائح لصالحه، فإن انت له ألح ، وإن كانت عليه غض الطرف يستوفي ولا يوفي، بل يبخس،حقه مطلوب مصون ،وحقوق الآخرين عليه مهملة مستباحة،اِن كان الحكم له رضي،واِن كان عليه سخط،له مكيالان فى الأحكام والأ قضيه  والحقوق،ذلم ما حذر منه شعيب عليه السلام قومه. {وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من  إله غيره قد جاءتكم بيّنة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تُفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدّون عن سبيل الله مَن آمن به وتبغونها عوجاً واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثّركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أُرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنّك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودنّ في ملّتنا قال أولَو كنا كارهين قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملّتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلاّ أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علماً على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين الذين كذّبوا شعيباً كأن لم يغنَوا فيها الذين كذّبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين}.‏
(وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ) أهل مدين يقطعون السبل ويخيفون المارة،هم الأسوأ معاملة، يبخسون المكيال والميزان، ويطففون فيهما،يستوفون بالزيادة ويسددون بالنقصان. .
بعث الله فيهم شعيبا عليه السلام، فدعاهم إلى عبادة الله ونهاهم عن بخس الناس أشياءهم وعن ترويعهم في سبلهم وطرقاتهم فآمن به بعضهم وكفر أكثرهم، اعتبر أهل مدين بخس الناس أشياءهم مهارة تجارية،وذكاء خارقا، ثم جاء نبيهم وبين لهم أنها سرقة وأنه يخاف عليهم من عذاب يوم محيط (وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)لم يزل شعيب ماضيا في دعوته يكرر نصحه ويأمرهم أن يوفوا المكيال والميزان بالقسط و يحذرهم أن يبخسوا الناس أشياءهم.
الدعوة ليست مقصورة على التجارة، إنما تدخل فيها الأعمال، أو التصرفات الشخصية وتحريم الظلم، سواء أكان ظلما في وزن،أوفي مجهود أو في حق و يستكمل النص تحذيره من الإفساد في الأرض: (وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ).
ويبين أنه لا يملك لهم شيئا وليس موكلا عليهم إنما هو رسول يبلغهم رسالات ربهم:(وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ) بهذا الأسلوب يشعر شعيب قومه بأن الأمر ثقيل إذ يبين لهم عاقبة إفسادهم .
وأجاب القوم(قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)بكل سهولة جعلوا أموال الغصب والتطفيف والابتزاز (أموالنا) بهذا التهكم وجه قوم شعيب خطابهم إلى نبيهم، ثم عادوا يتساءلون (أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء)ما علاقة
الإيمان والصلاة بالمعاملات ؟
بهذا التساؤل أنكروا أن يكون للإيمان علاقة بسلوك الناس وتعاملهم واقتصادهم، قضية مطروحة منذ القدم ، لقد أنكروا أن يتدخل الدين في حياتهم ، وسلوكهم واقتصادهم وطريقة إنفاقهم ، ما الذي أقحم الدين ؟ وهذا لا يختلف عن فهم عديد من الأقوام في هذا العصر:ما للإسلام وسلوك الإنسان الشخصي وحياته الاقتصادية وتصرف الناس في الأموال ؟
ثم يعودون إلى السخرية منه والاستهزاء بدعوته (إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ).
أدرك شعيب أن قومه يسخرون ولا يستسيغون تدخل الدين في الحياة اليوميةوتلطف معهم ، وتجاوز سخريتهم، فهوعلى بينة من ربه وهو لا يريد أن يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه، هو لا ينهاهم عن أمرليحقق لنفسه نفعا منه، إنه  لا ينصحهم بالأمانة ليخلو له الجو فيستفيد من التلاعب، وهو يوجزهدفه وإرادته (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ) ما يريده هو الإصلاح:إصلاح عقيدة وسلوك وقلوب وقناعات عفنة ، وحياة بائسة.
بين شعيب عليه السلام لقومه أساس دعوته، وما يجب عليهم الالتزام به، ورأى منهم الاستكبار، وشرع يذكرهم بمصيرالأمم قبلهم ، وكيف دمرهم الله ؟؟،
لكن الملأ أعرضوا(قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا) ويستمرون مهددين:( وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) عندما أقام شعيب الحجة على قومه، تحولوا من السخرية إلى التهديد وأظهروا كرههم له ،سألهم (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ)
يبدو أن قوم شعيب ضاقوا ذرعا به فدخلوا مرحلة جديدة من التهديد هددوه بالقتل، والطرد من القرية لقد نجاه الله من ملتهم، فكيف يعود إليها؟
(وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ).
تحفل قصة شعيب عليه السلام مع أهل مدين بالعديد من الدروس الاقتصادية منها:
-الموازين والمقاييس والمكاييل: يقوم السوق على المقاييس لضبط الحقوق والالتزامات فى التعامل ، وأى خلل فيها يربك الحياة الاقتصادية والمعاملات ويؤدى إلى الظلم ،بينما العدل هو جوهر الرسالات السماوية فى كل المجالات ومنها المجال الاقتصادى .

-دارت رسالة شعيب حول مكافحة المخالفات الاقتصادية من الغش والتطفيف والاستفزاز واستعراض العضلات بلا وازع ولا رادع.
(وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم)، وقوله عز وجل :(وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإنى أخاف عليكم عذاب يوم محيط ) .
وتأكدت هذه الدعوة فى سورة المطففين ، وهي بحاجةإلى التذكير بها في كل زمن لمحاربة الجرائم الاقتصادية من خداع وغش ورشوة وابتزاز واحتكار واغتصاب.
- الفساد المترتب على أكل أموال الناس بالباطل (وكل ما جلب مالا فهو مال )سواء بالغش فى المعاملات وبخس الناس حقهم (ولا تعثوا فى الأرض مفسدين) .
-الابتزاز وهذا ما يفهم من قوله تعالى (ولا تقعدوا بكل صراط توعدون )تتوعدون الناس بأخذ أموالهم تحت مسميات مختلفة لتعود لجيوب الفاسدين.
-الضبط الاقتصادي الحازم لقد استنكروا من شعيب أمرهم بإيفاء الكيل والميزان وعدم بخس الناس أشياءهم  فجاء ردهم (قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل فى أموالنا ما نشاء ) هذا إلى جانب درس العقوبات فلقد عاقب الله سبحانه وتعالى قوم مدين على المخالفات الاقتصادية بعذاب شديد،

وهى عقوبات قائمة متجددة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وما عليها ،وما أحرانا في هذا الزمن وفي ظلال الشهر الكريم أن نلتفت بكل جرأة وهدوء إلى مجموعة المخالفات الاقتصادية المرتكبة في المجتمع أعَلى المستويات الجماعية أم الفردية في السلع والغاز وكافة ما يسوق مما يوزن أو يكال ،أو يقاس،لنصحو على حقيقة مخالفة الحق ونكتشف الفجوة بين الوزن المدون على السلعة وبين الوزن الحقيقي،وبين دعوى الجودة والرداءة،خاصة في السلع المغلفة والمعبأة كالدقيق وغيره،وبين مساحة الأرض المشتراة والمساحة الفعلية،وبين الملكية الحقة وبين الباطلة كيما ندق ناقوس الخطر علّنا نستطيع أن نذكر برسالة شعيب عليه السلام،وما حاق بقومه من عذاب رغم فصاحتهم وجدالهم خطيب الأنبياء عليه وعليهم السلام مهددين متوعدين لأنه جاءهم بما لا تهوى أنفسهم،فهم تارة يسخرون،وأخرى يهددون بإخراجه من القرية وثالثة بالرجم!!(أَلا يَظُنُّ أُوْلَـئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ *لِيَوْمٍ عَظِيمٍ *يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَـلَمِينَ).
لقد اكتفت الآية الكريمة بمجرد الإشارة لهذا الفريق(أولئك)،وعزفت عن ذكره(المطففين)لمزيد من التقريع والتهديد والتهميش،هذا فضلا عن الملحظ الدقيق في التركيب:(ظنّ أنّ-يظنّ أنّ)وبقية إسناداتهما للضمائر ليتفرد البيان العالي بهذا التركيب الذي يحمل معنى اليقين بلا منازع!!
والحمد لله رب العالمين.
 

Hit Counter