لسان عربي مبين

 بقلم/ فتحي رمضان الحاج محمد الأغا
03
/10/2007

 فتحي رمضان الاغا

 

 

لسان عربي مبين .

بقلم فتحي رمضان محمدالأغا    

   

  الحمد لله رب  العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجميعن .       

                                                                    (وَدَاوُودَ  وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ ِإذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ)الأنبياء:78- 79.              

                                              

دخل رجلان على داوود عليه السلام :أحدهما صاحب كرم ، والآخر صاحب غنم ، قال صاحب الكرم :إن غنم  هذا قد أكلت كرمي ولم تبق منه شيئا،فحكم داوود عليه السلام  لصاحب الحرث أن يأخذ غنم خصمه مقابل ما  أحدثت من إتلاف الكرم ـ مر صاحب الغنم بسليمان عليه السلام ،وأطلعه على حكم داوود عليه السلام ، دخل  سليمان عليه السلام على أبيه قائلاً :يانبي الله !إن الحكم غير ماحكمت فيه ، فقال داوود عليه السلام :  وكيف ؟ قال سليمان عليه السلام :ادفع الغنم إلى صاحب الكرم لينتفع بها ، وادفع الكرم إلى صاحب الغنم ليقوم  عليه حتى يعود كما كان ، ثم يعيد كلٌ منهما ما تحت يده إلى صاحبه بمعنى: أن يأخذ صاحب الكرم كرمه بعد  أن يعود إلى طبيعته، وأن يأخذ صاحب الغنم غنمه بعدما يستفيد منها صاحب الكرم مقابل ماحدث من تلف  وخسائر في كرمه ، قال داوود عليه السلام :الحكم ماحكمت،وأمضى حكم سليمان عليه السلام ، ذلك أن حكم  داوود عليه السلام كان اجتهاداً منه وكان حكم سليمان تفهيماً وإلهاماً من رب العالمين سبحانه وتعالى الذي يشهد  الحكمين .

لقد اتجه داوود عليه السلام إلى تعويض صاحب الكرم،بينما اتجه حكم سليمان عليه السلام إلى البناء  والتعمير،فأنصف الطرفين بإلهام من رب العالمين ، دون أن يحمل صاحب الغنم كامل التبعة بما توحي به  كلمة(نفشت)التي تبين أن ماحدث كان ليلاً .. وعن عدم قصد وإصرار فلا ينبغي أن تجازي صاحب الغنم  بشكل قطعي ، وقد كان حكم سليمان عليه السلام عليه السلام فتحاً من الله تعالى بالإضافة إلى أن حكم داوود  عليه السلام كان صواباً إلا أن حكم سليمان عليه السلام  كان هو الأصوب كيما ندرك جميعاً أن اجتهاد داوودعليه  السلام  كان فردياً بينما جاء حكم سليمان إلهاماً من رب العالمين، وفي هذا نموذج لشكل من أشكال الحكم في  قضية واحدة بما يُنير أمام الحاكمين الدرب للاجتهاد والتدبر وحساب كل الأمور في الحكم ـ لقد ابتلى رب  العالمين داوود وفتنه في الحُكم فصبر داوود واجتاز الامتحان بسلام.

والملحظ في هذه الآية الكريمة أنها جاءت على الترتيب فذكرت الأب ( داوود ) أولاً ثم (سليمان) الابن  ثانياً ويشتف من ورود(إذ)مرتين ضمن الآية الكريمة أنه وصف حي للواقعة وللحكم يشهده رب العالمين هذا  فضلاً عن تعدي الفعل (يحكمان )إلى حرف الجر(في)لبيان القضية موضوع الحكم ، والحكم المرتقب فيها  فالقضية المركزية التي تركز عليها الآية الكريمة (يحكمان في الحرث) لأن الضرر قد لحق بالحرث بينما  الغنم قد نفشت ولا يكون النفش إلا ليلاً مما يتطلب حكماً صائباً دقيقاً لايُضر بطرف ـ ولايكون الحكم في القرآن  الكريم إلا في مختلف فيه ، ليلفت النظر إلى الاستخدام القرآني الدقيق لمادة حكم –يحكم –احكم متى تتعدى  لحرف الجر(في)(إذ يحكمان في الحرث)فالحرث هو المحور الأساس والحكم فيه،أما الجربالباء(فاحكم بين  الناس بالحق) فيكون في القضايا العامة، كما يتعدىالفعل إلى الظرف(بين)ليبين موضوع القضية ونوعية  الحكم الموصى به أو المأمور به، ويكون الفعل مطلقا لايتعدى لا إلى حرف جرولا إلى ظرف وكل حالة من هذه  الحالات تتطلب دراسة خاصة ومستقلة للوقوف على جوانب من الإعجاز المذهل لآيات كتاب العربية  الأكبر،فتارة تجد القرآن الكريم يركز على الحكم بالعدل ، وأخرى الحكم بالقسط وثالثة بالحق،ورابعة بما أراك  الله،وخامسة بما أنزل الله، أما الحالة الرابعة فيلاحظ أنها مشابهة لما حكم به سليمان (ففهمناها سليمان)لتجئ  المفردة وحيدة في القرآن الكريم (ففهمناها)، والمعنى ينصب على أن لاجتهاد الحاكم وابتهاله إلى ربه أن يريه  الحكم الدور الكبير في الحكم المناسب ، فحينما تحكم بالعدل عليك أن تثبت الحق لصاحبه،وحينما تحكم بالقسط  فإن عليك أن تنصف المظلوم وأن تردع الظالم 0

قضية أخرى تعرض على داوود عليه السلام:(وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ  إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ  فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ   إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ  قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ  نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ  وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ  فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ  يَا دَاوُودُ  إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن  سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)ص:22-26يتسورالخصمان محرابه فيحس بالفزع،لم يتم  الدخول بالطريقة المألوفة  بل بالتسور،ودون استئناس ولا استئذان، لب المسألة كلمة ـ خصمان بغى بعضنا على  بعض ، هكذا يبدو أدب الخصام وتعرض القضية على داوود عليه السلام وهذه المرة يتعدى الفعل بالظرف( فاحكم بيننا بالحق)وبين خصمين بينما في السابقة يحكمان في الحرث فالحكم هناك منصب على الحرث وهو قائم  وممارس بينما في قضية الخصمين لم يبدأ الحكم بعد ، وبدأ الخصمان يسردان القضية وكلاهما يريد الحق(ولا  تشطط)وطلب الهداية إلى سواء الصراط ،وإذا بصاحب النعجة الواحدة يسرد القضية بشكل مهذب راقٍ  من  أدب الخصام(إن هذا أخي)أي أدب وأي صبر!وأي توكيد هذا وأي خطاب، أبقيت أخوة بعد هذا ؟ولكنه أدب  الخصام رغم البغي ، والنزاع ، إلا أنه مع كل ذلك(أخي )ذلكم من جوانب أدب الخصام ، حبذا لو سلكه الفرقاء  بمنأى عن العصبية والعشوائية الفئوية والطائفية التي تعيث في الأرض الفساد لينجم عن ذلك قتل وسفك دماء  ضحايا أبرياء تسخيرا لمآرب زمر من الغاوين الغافلين، أما النهي عن اتباع الهوى فتنبيه لمن يلون الأمور أن  يحكموا بالحق،دون اتباع الهوى (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى  فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ).

والحمد لله رب العالمين.


 

Hit Counter