|
مؤتة
... التاريخ الحي الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين لم تشغل الدعوة إلى الإسلام داخل الجزيرة العربية ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إبلاغ الناس كافة بما آتاه الله تعالى من بينات ودعوتهم إلى دين الحق ، ومن هذا المنطلق كانت كتبه عليه الصلاة والسلام إلى الملوك والأمراء ، فبعث السفراء يحملون الكتب إلى كسرى ، قيصر ، النجاشي ، المقوقس ، وإلى حُكام الولايات العربية التابعة للفرس ، وللروم ، ومن هذه الكُتب: كتابه عليه الصلاة والسلام ، إلى أمير بصري الذي حمله الحارث بن عمير الأزدي ، وبينما هو في طريقه إلى بصرى اعترضه شرحبيل بن عمرو الغساني وسأله : أأنت من رسل محمد ؟ أجاب الحارث : نعم ، فأمر شرحبيل بقتل سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى أمير بصرى ، وقد حملت هذه الرسالة الخطوط الأساسية لسياسية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في كتبه إلى أهل الكتاب داعياً إياهم إلى اتباع الهدى ، والإيمان بالله تعالى ، والتصديق به وحده لاشريك له ، مقابل أن يبقى المُلك للأمير أو المَلِك المخاطب . وحينما وصلت أنباء هذه الفعلة الشنيعة إلى المدينة المنورة ، بدأ التفكير الجادّ لردع هذا الاعتداء السافر الخارج عن العُرف السائد في ذلك الزمان، وهو أن السفراء لا يُعتدى عليهم ولا يقتلون ، فضلاً عن كونه عملٌ أحمق، وهو استهتار بالدولة الإسلامية الفتية التي بدأت تنشأ في المدينة المنورة ، وفي جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة سيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم حملة من ثلاثة آلاف مُقاتل لمواجهة غرور الغساسنة وأسيادهم من الروم ، وأوصى عليه الصلاة والسلام المقاتلين ألا يتعرضوا لنساء أو أطفال ، ولا يهدموا المنازل ولا يقطعوا الأشجار ، وهذا جانب مشرق من جوانب روعة هذا الدين وعظمته حرصاً على الأرواح والممتلكات في كل الظروف والأحوال . أمَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجيش زيد بن حارثة، فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب ، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة ، فإن قُتل عبد الله فليرتضِ المسلمون رجلاً منهم يكون أميراً عليهم . وينبغي أن يشار هُنا إلى هذا التحديد الدقيق للمهمات النابع من حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم العسكرية ، وحرصه الشديد على مراعاة كل الاحتمالات الواردة خاصة في هذه المواجهة الأولى لجيش دولة عظمى جندت الجنود إلى جانبها من الغساسنة ، واتخذت منهم حُراساً ومدافعين في خط المواجهة الأولى ، ذلك أن كون الروم دولة عظمى في ذلك الزمن لا يُبيح لهم ولا لأتباعهم من الغساسنة أن يعتدوا على سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما أن ذلك لا ينقذهم ولا يعفيهم من تحمل تبعات ذلك الاعتداء، وأنه قد آن الأوان ليعلم الروم وأتباعهم أن وضعاً جديداً قد نشأ في جزيرة العرب .. لا يمتص الضربة ولا الغدر ثم يسكت عنها ، إنما يواجهها ويجند الجند ، ويسيّرهم بأقصى سرعة ليغزو الروم والغساسنة في عقر دارهم .. فها هي مرحلة جديدة في خط سير الدعوة تنطلق إلى خارج جزيرة العرب تلفت إليها كل الأنظار إنْ في الداخل أو في الخارج .. وتترامى أنباؤها في كل اتجاه .. تتناقلها الألسنة .. ويعيد كل طرف حساباته فلا تسول نفسٌ لصاحبها أن يعتدي أو يغدر .. أن يخون أو يستهتر . والأمر اللافت للنظر أن قيصر عظيم الروم لم يتعامل مع سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم ( دحية بن خليفة الكلبي ) بمثل ما تعامل الغساسنة ، فلم يغضب القيصر ولم يثر ، بل استدعى دحية وادعى أنه مسلم ثم أعطاه مبلغا من الدنانير حمله دحية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقّسمه عليه الصلاة والسلام على المحتاجين من المسلمين، ثم جزم عليه الصلاة والسلام أن قيصر ليس مسلماً حينما قال عليه الصلاة والسلام: كذب عدو الله ، ليس بمسلم) ، هذا يظهر الفارق في التعامل مع الرسل والسفراء من جانب الروم ومن جانب الغساسنة وكأنما يحرص ضعاف النفوس والأذلاء والعملاء والأدعياء دوماً على إبداء الطاعة العمياء لسادتهم حتى ولو كان في ذلك خروج على المألوف من الأعراف ، يبدو أن أنباء حشود المسلمين ومسيرهم صوب الشام قد تسربت إلى الروم وأذنابهم من الغساسنة ، فأعدوا العدة للمواجهة، وأمام هذا التجمع الرومي الغساني الكثيف أقام المسلمون ليلتين في ( معان ) وتبيّن لهم أن هذا الحشد قد بلغ مائتي ألف ،، فشرعوا يتشاورون وينظرون في أمرهم ،، وقالوا : نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخبره بعدد عدونا ،، فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا فنمضي إليه، إلا أن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه قال : ياقوم : والله إن التي تكرهون للّتي خرجتم تطلبون ، ولا نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به ، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين ، إما ظهور ، وإما شهادة ، وما كاد الرجل ينتهي من كلمته حتى تاقت نفوس الجُند إلى إحدى الحسنيين ، وسرعان ما تذكروا أنهم نُصروا في مواطن سابقة وبعدد أقل ، فا لكثرة ليست هي المقياس .. كما أنها لاتحسم المعارك ذلك أن النصر مع الإيمان والصبر ومما يؤكد هذا المعنى ويرسخه ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه وكان ممن شهدوا مؤتة يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ( شهدت مؤتة فلما دنا المشركون رأينا ما لاقبل لأحد به من العدة والسلاح والكراع ، والديباج والحرير والذهب فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أرقم يا أبا هريرة كأنك ترى جموعاً كثيرة : قلت : نعم ، قال : إنك لم تشهد بدراً معنا ، إننا لم ننصر بالكثرة) 0 التقى المسلمون من جهة والروم وعملاؤهم وأذنابهم من جهة أخرى فقاتل زيد بن حارثة ، براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استشهد،وتبعاً لوصية الرسول الكريم حمل جعفر بن أبي طالب الراية، فلما قطعت يمينه حمل الراية بشماله، فلما قطعت شماله حمل الراية بعضديه ، فقاتل بها حتى استشهد ، ثم حمل الراية عبد الله بن رواحة ، فقاتل بها حتى وقع شهيداً، وإلى هنا يكون ما وصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نفذ بدقة: تسلسل القيادة، وحمل الراية ، حمل ثابت بن أقرد الراية حرصاً على استمرارها خفاقة عالية، وصاح في المسلمين أن يختاروا قائداً من بينهم يحمل الراية ، فكان أن ظهر إلى الميدان خالد بن الوليد ، فأخذ يقاتل وفقاً لأسلوب الكر والفر إلى أن حلّ الظلام ، ومن خلال عبقريته العسكرية استثمر الرجل حلول الظلام كيما يعيد تنظيم القوات الإسلامية فجعل الميمنة ميسرة والمقدمة ساقة بينما استشعر الروم وعملاؤهم أن المدد أخذ يتدفق على المسلمين مما كان له أكبر الأثر في زعزعة صفوف الروم ، وتثبيط معنوياتهم ، وباتباعه فن المناورات والمناوشات ، وتصميمه على إحداث أكبر نسبة من الخسائر في صفوف العدو دون تعرض قواته لخسائر تُذكر ، تمكن خالد بن الوليد من فتح ثغرة واسعة في صفوف العدو واخترق تلك الصفوف بأقل عدد من الخسائر يؤازره في ذلك عقيدة راسخة ومعنويات عالية ، وطاعة منضبطة استطاع بهذه الطريقة إنقاذ جيش المسلمين والانسحاب الآمن ليعود به إلى المدينة المنورة ، ويذكر هنا أن العديد من الكليات العسكرية الغربية ما زالت تعكف على دراسة الكيفية التي استطاع بها الرجل أن ينسحب بالجيش المسلم دون تعرضه لخسائر وسط ذلك العدد الهائل من الروم وأذنابهم من العرب الغساسنة ، وبينما المعركة على أشدها نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهداء الثلاثة ( زيد بن حارثة ـ جعفر بن أبي طالب ـ عبد الله بن رواحة ) وقال عليه الصلاة والسلام : أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها بن رواحة فأصيب ، وعيناه صلى الله عليه وسلم تذرفان ـ ثم أخذ الراية سيفٌ من سيوف الله ، حتى فتح الله عليهم . جماعتان متعاديتان التقتا ، الأولى مؤمنة ـ والثانية مشركة ، ثلاثة آلاف مؤمن يواجهون مائتي ألف مشرك ، ومع ذلك لايستشهد من المسلمين إلا إثنا عشر رجلاً .. يقول خالد بن الوليد رضي الله عنه : لقد أتلفت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، وما صبرت في يدي إلا صفيحة يمانية . هكذا كانت مؤتة المواجهة الأولى مع دولة عظمى تكبدت فيها خسائر جسيمة وكان من إفرازاتها ظهور خالد بن الوليد، كقائد عسكري فذ اكتسب من شجاعته لقب:( سيف الله المسلول ) مما جعله فيما بعد مدرسة عسكرية استفاد المسلمون منها في مواجهاتهم مع الأعداء، وتمكن المسلمون من الوقوف على دقائق الروم، تنظيماً سلاحاً ، نفسيات ، كما تعرفوا على تضاريس المنطقة‘ سهلها وجبلها بالإضافة إلى قذف الرعب في قلوب قبائل الشمال ، بل في قلوب كل من كان يتربص بالدعوة الفتية ، كل ذلك ومكة لم تفتح بعد ، إذ أيقن الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه أن ردع الروم وأتباعهم أمر حتمي .. لايقبل التأخير أو التأجيل، بينما فتح مكة أمر كائن لامحالة ، ولا ينبغي إغفال أثر مؤته على البقية المتبقية من مشركي الجزيرة العربية ، كما لفتت غزوة مؤتة أنظار المسلمين إلى الخطر المحدق بالدعوة من جهة الشمال، وأن ميدان الصراع القادم هو بلاد الشام . وتبقى الإشارة هنا إلى ذلكم الموقف الإنساني الرائع الذي تمثل في زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه بعد استشهاده ، ولندع الكلام لأسماء بنت عميس زوج جعفر رضي الله عنه ، قالت : لما أصيب جعفر وأصحابه دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عجنت عجيني وغسلت بني ونظفتهم ودهنتهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : إئتني ببني جعفر ، فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله بأبي أنت وأمي ، ما يبكيك ؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شئ ؟ قال : نعم ، أًصيبوا هذا اليوم فبكوا جميعاً ، وأخذت أمهم تذكر يتمهم ، فقال عليه الصلاة والسلام آلعيلة تخافين عليهم، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة . أما عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، فيقول : جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث من شهادة جعفر فقال : لا تبكوا على أخي بعد اليوم ، وادعوا لي بني أخي ، فجئ بنا كأننا أفراخ ، فقال عليه الصلاة والسلام : ادعوا لي الحلاق ، فجيء بالحلاق، فحلق رؤوسنا ثم قال عليه الصلاة والسلام مداعباً : أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب ، وأما عبد الله فشبيه خَلقي وخُلقي ، ثم أخذ بيديه وقال : اللهم اخلف جعفراً في أهله .. وبارك لعبد الله في صفقة يمينه ، قالها ثلاث مرات . تلكم هي لمحة عن مؤتة .. تجلت فيها شجاعة الرجال .. وإنسانية بطل الأبطال بينما يُمهد الطريق لفتح الشام إذ كانت مؤتة هي الإيذان بفتح الشام، ذلكم أن مؤتة هي التاريخ الحي لرجال أحياء عند ربهم يُرزقون .وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين0 والحمد لله رب العالمين0 |