|
التّّقرير بقلم:فتحي رمضان الحاج محمد الأغا
دار الفتوى
الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين0 أنظر إلى الهدهد الذي يستكثر- ولايكاد يصدق- أن امرأة تملك سبأً ( إني وجدت
امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم) تقرير شفوي تطوعي غاية في الدقة
والأمانة والنزاهة يقدمه الهدهد لسليمان عليه السلام الملك الذي لم يؤتَ أحد مثل ما
أوتي،ومع ذلك لم يكن الهدهد مرتعبا ولا وجلا ولا مذعورا بين يدي الملك،مع أن الملك
تساءل حينما تفقد الطير ولم ير الهدهد، أليست متابعة دقيقة يقوم بها الملك
لجنوده؟الهدهد من الغائبين أمر لافت للنظر و يتطلب التحري، وهذا من أول واجبات
الحاكم اليقظ الواعي لما يدور في مملكته، إذ لامجال للفوضى والتسيب،ويضع الملك
العقوبة المؤكدة التي تتناسب مع هذا الغياب ،وهنا ضرورة وسرعة الحسم والتصدي لكل
طاريء ومستجد(لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أوليأتيني بسلطان مبين) إن الغياب دون
إذن أو موجب مقنع في مملكة سليمان عليه السلام تكون عقوبته: العذاب الشديد أو
الذبح،أما إذا كان ذلكم الغياب فيه مصلحة للمملكة،فإن هذه العقوبة تسقط،تلكم هي حال
الملك الحريص كل الحرص على مملكته وجنوده ورعيته،وبينما الملك يشرع قانون
العقوبات،ويعلنه على جنوده من الإنس والجن والطير بعدما لم ير الهدهد،يلاحظ أن أحدا
من جنوده لم يتدخل ولم ينافق الملك، ولم يذكر الهدهد البتة،لأن لهذه المملكة سياسة
مرسومة واضحة المعالم ،وقانون يحترمه الجميع وينضوون تحت لوائه،لافرق بين هذا
وذاك،وإنما درج الرعية والجنود على الإنصات والطاعة،ولم ينبس أي منهم ببنت شفة،ولم
يتدخل في شأن الهدهد الغائب لا مادحا ولا قادحا،ولا مختلقا له المعاذير،والملحظ هنا
عدم وجود مقربين أومدللين من حول الملك وإلا لسمعنا مداخلة أحدهم في شأن( قانون
عقوبات الهداهد)أو (قانون عقوبات جنود سليمان من الجن والإنس والطير) ولو بالعبارة
المكرورة الممجوجة(أثنّي على ما قاله000) من خلال البصّام الآلي،ذلك أن أحدا لم
يطلب الكلمة،وأنّى له ذلك،فأمرٌ جليل كهذا لايُسمح فيه بالعبث والجدل العقيم،ولا
يحتاج تصويتا ومقايضات ودقات إثر دقات ورفعَ أصابع من الملل والتثاؤب ،ومن الملاحظ
الجديرة بالذكر في هذا المقام ،ذلكم الاحترام والتوقير الذي يحظى به الملك من جنوده
ورعيته حين يتعلق الأمر بمصالح المملكة،إنه أمر غير قابل للمداخلات والتعقيبات،ذلك
أن النِّصاب في مملكة سليمان لايُراوغ فيه بالنصف ولا الثلث ، ولا الأغلبية، بل هو
التمام والكمال،ولم يَرِدْ أن أحدا من الجنود أبلغ الهدهد بما جرى ولا حذّره من
العواقب الوخيمة التي تنتظره لو عاد إلى أرض الوطن،وأن عليه أن يطلب اللجوء السياسي
إلى مملكة سبأ خاصة أن عقوبة العذاب الشديد أو الذبح تنتظره ،إن لم يأت الملكَ
بسلطان مبين ،وها قد جاء الهدهد ليكسر الصمت الذي خيّم على الجمع،لم تحدث ضجة ولا
صخب ولا ضوضاء،ولم يُمنع لا من الدخول ولامن القول ؟؟ إنه لم يكن في رحلة نقاهة ولا
استجمام ،ولم يختلق الأقاويل،وغيابه مبرر والدليل هو هذا التقرير الدقيق الأمين
المركز بكل سلاسة وهدوء وضمن خطاب عادي موجه إلى الملك مباشرة،وخالٍ من التنميق
والرهبة والوجل،وبجرأة يفتقدها عتاة البشر في مثل هذه المواقف( أحطت بما لم تحط به
وجئتك من سبأ بنبأ يقين)،الهدهد يستهل القول ويتحدث عن نفسه بل يقدمها على الملك ،يثبت
الإحاطة لنفسه وينفيها عن الملك ،ويذكر له سبأ ،(إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من
كل شيء ولها عرش عظيم) هذه هي الفقرة الثانية من التقرير الدقيق الأمين المكثف،يؤكد
الهدهد قوله ويتحمل تبعات مايرد في التقرير(إني وجدت) لم أسمع- لم يخبرني أحد- لم
يكلفني أحد بل أنا الذي تحريت ودققت وتابعت وأيقنت واكتشفت ،إنه يسرد الحقيقة كما
وجدها ،لم يحابِ ولم يجامل أوينافق،ولم يتورع عن ذكر امرأة تملكهم وهو أمام رجل
وملك ،وكأنما يوصل له رسالة مضمونها: لست وحدك، أي امرأة هذه؟ إنها امرأة بكل
المواصفات والمقاييس التي تتصور، ويختصر التقرير أنها أوتيت من كل شيء، لن أذكر لك
التفاصيل 00كل شيء ولها عرش عظيم ،ولك أن تضفي كل صفات العظمة التي تشاء على ذلك
العرش ويزداد الاستغراب حينما يجد أنها وقومها يسجدون للشمس من دون الله !! إن
للمرأة دوراً أعز وأشرف من هذا .. ولاينبغي أن تسجد هي وقومها للشمس ، إنهم قومها،
-هكذا يقول الهدهد- لنفقهَ دقة التقرير أي أن أباها منهم،ذلك أن من كان أبوك
منهم،هم قومك، كما هو الدأب في البيان العالي، والهدهد هنا لم يزوّر ولم يدّعِ ولم
يتجنّ،ولم يلفقْ،ولم يَكِدْ ولم يتجاهل ،ولم يكن بإمكانه إلا أن يقول الحقيقة،وإن
كانت مُرّة،حتى لو بدا فيها ما قد يمس الملك ،ولو شاء أن ينافق لحذف من التقرير كل
ما يُشْتَمُّ منه أذىً للملك ،لكن الهداهد لاتخدع الملوك ولاتزوّر الحقيقة ورُبَّ
هدهدٍ أصدقُ وأوعى وأدق من ملايين البشر0 وللتقرير بقيَة0 والحمد لله رب العالمين0
|