الى
رحمة الله يا مجيد
عدلي صادق

 
 



الى رحمة الله يا مجيد
عدلي صادق
كأنما كان، خلال أيامه الأخيرة في عمان، يستأذننا طويلاً قبل إغماضته الأخيرة. هكذا هو مجيد الآغا، عاش مُرهقاً لا يُرهق أحداً. نقياً ناصع اليد، مناضلاً قائداً، وجندياً منضبطاً، من الرعيل الأول. وفياً للحُلم الفلسطيني. ها هو ينسحب في هدوء، كعادته، عندما لا يعجبه الكلام أو الحال. فبينما الموت حق، يعرفه ولا يخشاه، يغادر "أبو عبد الله" عازفاً عن أوقاتنا، بعدما فقدت فيها الصباحات معناها. يلوذ الى اطمئنان النفس، في برهة مجنونة، أصبحنا فيها خارج المألوف. ومجيد ممن يعشقون المألوف: تقاليد حياة، وعلاقات حميمة، واحترام للنفس وللآخرين، ذلك فضلاً عن مألوفه النضالي، اسماً "حركيا" عايشه طويلاً، متناسياً "سفيان"، وفتحاوياً أصيلاً من أيام الشدة، لم يتبدل في شيء. حمل على كتفيه ذكريات المعسكر و"الجبل" والأسرار الأمنية التي تأبطها عبر المسيرة . لم يفارقه "الختيار" ولا "أبو جهاد". يتملكه إحساس بأنهما قد يأتيان، أو يطلبانه، في أية لحظة!
* * *

في أيامنا هذه، تلتبس علينا الأمور. هي فقط تلتبس، في أحسن التفسيرات. أما في أقصاها تشاؤماً، فكأنما نحن في عربة أضاعت خيلها. لكن لحظة الرحيل يا مجيد، تجرح روحنا. ففيما أنت تغادر كل التفاصيل، ملتحقاً بالخالدين، عابراً من اليومي الى التاريخي، تاركاً إيانا في البحر اللُجي، يغالبنا إحساس ثقيل، بأننا على حافة الحياة، بشيبنا وشبابنا. تنهشنا الأسئلة: هل أضعنا الطريق؟ إن أصعب الخُسران خسارة الطريق، وليس أشقى ممن يُضيع طريقه، سيما في سباق المسافات، الذي هو أطول منا جميعاً!
لقد داعبتك الآمال، بأن ترسم مع صحبك، لشعبك، زمناً آخر. لكن فيروسات الأزمان، وتداخلاتها، داهمتك، مثلما فتكت بأبي عمار، وبكثيرين من الأوفياء كباراً وصغاراً. أما الآن، فكيف نسترجع رحلة طويلة، ومساءات ننام بعدها على الحلم، وأماكن وحكايات كثيرة. ها أنت تلوذ الى الأبدية، الى حضن الأرض وفضاء الروح. وعلى الرغم من أنك لم تفاجئنا، فقد وقفنا مشدوهين. إن الحياة، أية حياة، أقصر من التفاصيل!
* * *
يرحل مجيد، في بُرهة معبرة. يزف الغامض الى الواضح. يقتنص موته من اللحظة الفاجعة، ويغيب غياباً صحيحاً، وإن كان في غيابه لونٌ يُحزننا. لعل ما يكفيه، هو أن يتولى الفعل الماضي وصفه، إذ هو كما النهر الذي ظل لمجراه أميناً، فيما يصعب على الأحياء، استجداء وصفهم من هذا الفعل. أما المضارع، فقد جافانا، وكأنه أصبح مُحرماً علينا، الإشارة الى أيامنا الطويلة. الى أيام، كان فيها مجيد وأمثاله، ساهرين لكي يظفر أبناؤنا، بألوان العلم الوطني، وبدولة ينتمون اليها، وبمستقبل زاهٍ.
نفتقد، حقيقة، ابتساماتك الذكية، وشفافية روحك، وطيبة نفسك. فحتى في قلب مطحنة الألم، يصعب علينا أن ننسى ذلك كله. نسأل الله أن يُجزيك عن طهارة يدك، وعن صدق نضالك، وعن شرف مسعاك. كنت، مراراً، تدخل الى مكتبي الصغير، في لحظة الكتابة، متعمداً أن تشاركني الفكرة وأن تُغنيها، أو أن تأخذ علماً بها قبل النشر، إن لم تكن توافقني عليها. لكنك، وأنا، لم نكن نكترث بالشكليات. فعندما أبدأ في تدوين سطوري. يصبح كل منا في شأنه. أنت تقرأ أي شيء، وأنا أكتب. ففي حضورك ما أسهل الكتابة، أما في غيابك، وعن غيابك، فما أصعبها. إلى رحمة الله يا مجيد!


 

Hit Counter