مجيد فلسطين. . ولا عزاء للشرفاء !
بقلم / د. رياض الاسطل

 
 


 مجيد فلسطين. . ولا عزاء للشرفاء !

بقلم / د. رياض الاسطل

يعرفه الناس باسمه الحركي ( مجيد ) و يُعرفه أصدقاؤه بـ (مجيد الأغا) و قلائل هم الذين يعرفونه باسمه الحقيقي : سفيان عبد الله الأغا . و لكننا في لحظة رحيله لا نملك إلا أن نقول إنه مجيد فلسطين ، و حق له أن يكون ! .

أما تاريخه النضالي فقصة يعرفها الكثيرون ويجهلها الكثيرون ، فهو من أوائل الطلبة الفلسطينيين الذين شاركوا في تطوير اتحاد الطلبة الفلسطينيين في القاهرة منذ منتصف الستينات . خرج مجيد الأغا من مسقط رأسه خان يونس إلى مصر لإتمام تعليمه الجامعي و العودة إلى أرض الوطن . و شاءت الأقدار أن تسقط بقية فلسطين في يد الاحتلال الصهيوني بعد حرب 1967 م ، كما شاءت أن يكون الفقيد مجيد الأغا قد انشغل بالقضية الفلسطينية منذ السنة الجامعية الأولى و أن يلتحق بصفوف الثورة الفلسطينية و بحركة فتح قبل الحرب سالفة الذكر ، و ذلك بهدف العمل على تحرير فلسطين كل فلسطين . وهكذا تعلق الفقيد بالحركة النضالية فأحبها و أحبته ، واندمج في مسيرة الحركة الوطنية ـ مسيرة حركة فتح ـ حتى نسي نفسه في الوطن ، وعاش الوطن في تلك النفس ، وفي اللحظة التي كانت الوطنية تكلف أصحابها الشيء الكثير ! .

ومجيد فلسطين لعب دوراً نضالاً في حركة المقاومة على طول رحلة قوات حركة فتح ، في الأردن ، وسوريا ولبنان وتونس وليبيا، و غيرها ، وأخيراً على أرض الوطن . وكان دائماً مثالاً للمناضل الذي يعمل في صمت .

كان الفقيد طوال عمره النضالي قريباً من عرفات و محبباً لدى عدد كبير من رموز العمل الوطني . و في خضم علاقاته الودية المتشعبة تقلد عدد من مهام العمل الوطني النضالية و الدبلوماسية، التي لم تكن تشغله كثيراً بقدر ما كانت تشغله رغبته الجامحة في العطاء و تصويب العمل النضالي . و لا أريد ـ في هذا المقام ـ أن أعدد المواقع الوظيفية و المهام التنظيمية و الوطنية التي اطلع بها الفقيد ، في القاهرة و دمشق وبيروت و السعودية وتونس و غيرها من الدول الآسيوية . فلهذا الأمر موقف آخر . و لكن ما أريد أن أقف عنده ـ هنا ـ هو : مجيد الأغا ـ الوجه الآخر ! . . . مجيد الإنسان ! . وكما عرفته عن قرب .

فمجيد الأغا كان من القلائل الذين التفت حوله جماهير غفيرة من أبناء الشعب الفلسطيني وبخاصة في مدينة خان يونس حيث كان بيته يكتظ كل مساء بالزوار و الأصدقاء ومحبي الحوار الهادئ و الكلمة الحرة . كان الجميع يتجاذبون أطراف الحديث و يتذاكرون هموم الوطن في ظل مجموعة كبيرة من الآثار الفلسطينية التي حرص الفقيد على جمعها و تصنيفها والحفاظ عليها باعتبارها هوية للأرض والإنسان ! .

ومجيد الأغا كان من القلائل من بين رموز العمل الوطني الذين يحرصون على مشاركة كل الناس على اختلاف أقدارهم ، في كل مناسباتهم الاجتماعية ، حتى لو كان ذلك على حساب صحته ووقته .

ومجيد الأغا كان من بين القلائل الذين لم يحفلوا بالحراس ، و حق لنا أن نذكر ذلك و نحن نرى بعض الدعاة ـ اليوم ـ و صغار الناس الذين لم تكن لهم سوابق نضالية ولا أية أدوار وطنية ، ومع ذلك يحظون بحراس يزيدون عن العشرين في كل حركة و سكنة من سكنات حياتهم وتفاصيلها الصغيرة ! .

وكان بيته يحفل أيضاً بذوي الحاجات ، حيث كان يحرص على العمل من أجل الناس و السعي لفك ضوائقهم . . ولم يكن يألو جهداً في دعم المعوزين و البحث عن كل ما يخفف عنهم ! . و قليل من الناس الذين يعرفون أن مجيد الأغا لم يكن يملك أكثر من راتبه الذي تنهشه مطالب الحياة اليومية ! .

لقد كان من القلائل الذين سعوا في حاجات بسطاء الناس ، و دون أن ينتظر على ذلك جزاءً من أحد !.

ومجيد الأغا من القلائل الذين أقبلت عليهم الدنيا فأعرضوا عنها . وكان باستطاعته أن يأكل من تراث الدنيا أكلاً لما ، و لكنه آثر أن يأخذ بقدر حاجته و بحسب ما يسمح به دخله المحدود ، و لو كان هذا على قدر الكفاف .

ومجيد الأغا كان من بين النفر القليل الذين لم ينل منهم الإحباط ، حتى في أحلك الظروف ، وكان كلما اشتدت قسوة الاحتلال يحدث زواره ومحبيه عن فرادة التجربة النضالية الفلسطينية و عن الصمود الأسطوري لحركة المقاومة الوطنية و للرئيس الرمز ياسر عرفات ، وبخاصة في بيروت 1982 ، و ذلك بالرغم من كل ما تعرضت له الحركة الوطنية الفلسطينية ـ وحركة فتح ـ من هجمات وعدوان صهيوني غاشم ، ومن صمت عربي مقيت ! .

حفظ مجيد الأغا التجارب الرائدة للشعوب التي وقفت في وجه الاستعمار الغربي عن ظهر قلب ، و أحب أن ينقل هذه التجارب إلى أبناء الشعب الفلسطيني بكل قوتها و صورها المشرقة من أجل أن يعزز صمود أبناء هذا الشعب. . ومجيد الأغا كان أول من تحدث من الفلسطينيين عن الأنفاق في التجارب النضالية للشعوب الحرة ، باعتبارها من أصدق التعابير عن إرادة الشعوب و من أكبر الدلائل على تصميمها وقوة إرادتها . كان يحدث عن تلك التجارب و يعي ويعني ما يقول ! .

و يذكر للفقيد أنه كان من بين الذين رفضوا كل أشكال المساس بوحدة الشعب الفلسطيني ومن الذين رفضوا أن يتعرض أحد لأحد بسبب الخلاف على مواقفه السياسية .

كان مجيد الأغا محدثاً لبقاً، يأسرك بعذوبة حديثة، ورقة ألفاظه، و دقة تصويره وبيانه وقدرته الفائقة على لفت أنظار سامعيه .

و يذكر لمجيد الأغا أنه من رواد التراث الوطني الفلسطيني حيث أمضى سنوات طويلة و هو يعمل على جمع كل ما تقع عليه يده من تراث وآثار الشعب الفلسطيني . . كان يؤمن أن خلود الإنسان الفلسطيني في المحافظة على تراثه ، و أن المحافظة على الهوية الفلسطينية هي مفتاح تحرير الوطن ، فالأرض تزيد و تنقص ، و الوطن قد يتحرر بعضه و قد يحتل بعضه الآخر أما حرية الإنسان ففي حرية هويته وقوة إرادته وقدرته على الصمود و التحدي . . عاش الفقيد عليها ، و انتقل إلى رحمة ربه عليها . . دون أن يصدر أنة ألم، ودون أن يبدى زفرة تبرم ، ودون أن يفقد ثقته بشعبه وأمته ، ولا بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني ، وعلى رأسها حق العودة وتحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني . . هذا هو الفكر الذي نشأ عليه منذ نعومة أظفاره . . وهذا هو الفكر الذي حمله بين جنبيه طيلة سنواته الدراسية، وطوال عمله النضالي ، وأينما حل وارتحل !.

ومجيد الأغا كان من بين الذين رفضوا بإباء شديد أن تراق قطرة دم واحدة من هذه الدماء الزكية التي أريقت ـ ولازالت تراق ـ في الفلتان الأمني غير المسبوق في تجربتنا النضالية . وهو من الذين رفضوا ـ ولازالوا يرفضون خروج البندقية الوطنية الفلسطينية عن مسارها الحقيقي، على أيدي فئات ظلامية تستهدف أمن واستقرار ونضال الشعب الفلسطيني من أجل تمرير مشروع الهيمنة والإقصاء و تغليب المصالح الضيقة و الأجندة الرخيصة على حساب مصلحة الوطن الأم : القضية ، والإنسان ، والأرض ، و كل القيم النبيلة في هذا الشعب الصامد. . هذا الشعب الذي ضحى كثيراً ، و حق له أن يجني ثمار تضحيته حرية ناجزة واستقلالاً أكيداً ، وتحريراً مؤزراً للمقدسات الإسلامية و المسيحية التي دنستها يدل الاحتلال وطالتها معاول الهدم والتدمير و الغصب والعدوان .

رحم الله مجيداً و أسكنه فسيح جناته ، مع الأنبياء و الصديقين و الشهداء و حسن أولئك رفيقاً . وكل العزاء لحركة فتح و لأبناء الشعب الفلسطيني في رحيل هذا القلب الطاهر و تلك الأيدي النظيفة و ذلك الحب الجم الذي اتسع لكل أبناء الشعب الفلسطيني على اختلاف توجهاتهم الوطنية .

كان مجيد الأغا تجربة نضالية غنية ومدرسة في العطاء و التعفف و البعد عن زينة الدنيا وزخارفها الزائلة . عاش شريفاً، ورحل شريفاً . ولا عزاء للشرفاء في هذا الوطن !
 

Hit Counter