|
عيسى عبد
الحفيظمجيد .. وداعا
امتدت معرفتي بالشهيد سفيان الآغا >مجيد<
منذ زمن الاحلام المشروعة واستمرت حتى الزمن الصعب وحتى وصلنا الى الازمنة
الرديئة.
لم يتغير مجيد في كل الاوقات، هو مجيد الذي تعرفه دائما سواء كمسؤول أمني او
قائما باعمال سفير او محافظا.
كانت آخر مرة جمعتنا قبل عدة اعوام حين حضر من رفح لمقابلة من سبقه للشهادة
ياسر عرفات. وعند وصوله اتصل بي وهو يعلم جيدا ان لا حول لي ولا قوة، ولكن كانت
حسابات مجيد غير الحسابات المتعارف عليها الآن، دعانا الصديق الدكتور محمد
اشتية للعشاء وجلسنا حتى بعد منتصف الليل نتجاذب اطراف الحديث المتشعب من رحلة
الثورة الى يومنا ذاك.
جاء مجيد مثقلا بالاوراق الخاصة بالناس المسحوقين وروى فيما رواه ان مدير مدرسة
في رفح اخبره ان تلميذة صغيرة السن تحضر الى المدرسة وهي ترتدي حذاء والدها
واضاف مجيد ان هذه عينة فقط من حالة العوز التي يعاني منها المواطنون وكان
مصمما ان لا يعود الى رفح الا بعد حل كل المشاكل التي يحملها وهي كثيرة بل
كثيرة جدا.
بعدها لم استطع الاجتماع به الا سماع صوته عبر الهاتف النقال حتى جاء خبر مرضه
ونقله الى عمان للعلاج حسبما اخبرني به صديقنا المشترك حسين ابو العلا الذي
زاره في المستشفى مؤخرا.
اذكر أيها الراحل عنا ونحن معفرون بذل الحواجز وغبارها عندما حضرنا الى بيتكم
في خان يونس انا وحسين واطلعتنا على همومك حتى وصل الامر الى قطع الهاتف لعدم
تسديد الفاتورة.
كان مجيد يستطيع اقتناء ثروة تكفيه ليعيش في بحبوحة ولكن تقاليده ومسلكياته
الثورية الصادقة تقود حتما الى نظافة يده فكان طبيعيا ان ينقطع هاتفه، وجاء
توليه منصب المحافظ ليزيد الطين بلة، فهل يقبل من مثل مجيد ان تحضر الطفلة الى
المدرسة وهي ترتدي حذاء والدها؟ بدأ مجيد ينفق من جيبه الخاص وما اكثر حاجة
الناس وما اقل ما في جيب مجيد؟
لم يكن مجيد بحاجة الى مال الثورة اصلا، فالاراضي التي يملكها ضخمة ولكن كانت
لعائلة مجيد تقاليدها الخاصة، فالاراضي غير قابلة لا للبيع ولا للرهن ودون ذلك
خرق القتاد. كنا نستغرب ونحن في تونس عندما نرى شقيقه الاصغر بسام سفير فلسطين
في ليبيا حاليا وهو ينحني لتقبيل يده، وعلمنا فيما بعد ان هذا من تقاليد
العائلة التي حافظ مجيد عليها كما حافظ على سرج جواد جده ووضعه في واجهة المتحف
الخاص بعائلة الآغا في جناح خاص من بيتهم في خان يونس.
مجيد الآغا الذي رحل عنا مبكرا ابن فتح البار الذي اعطى للوطن كل حياته وكل ما
يملك انخرط يافعا في الثورة وتعمد في نارها، درب اجيالا بعضهم قضى وبعضهم يشغل
الآن مناصب عليا في الاجهزة العسكرية والمدنية على السواء. مدرسة في الأمن ترك
بصماته في تاريخ فتح كعضو منتخب في مجلسها الثوري وكمناضل صادق الجميع وحسب
علمي المتواضع حاز على ثقة الجميع وعلى اعجاب الجميع حتى من الفصائل الاخرى،
يكن احتراما غير عادي للمناضلين ويعرف اغلبية الاعضاء الفتحاويين لكنه لا يبني
علاقة صداقة حقيقية الا مع من هم على شاكلته دون النظر الى مواقعهم.
تندر مجيد في زيارته الاخيرة التي قابلته فيها على مسؤول كبير قابله في الفندق
وقبل ان يبدأ الحديث الاعتيادي سأله المسؤول متى سيعود الى القطاع، فأجابه مجيد
مازحا انه لن يعود قبل ان يدعوه الى الغداء في بيته على منسف مع من يختارهم
مجيد للمشاركة.
موزعا بين تلبية حاجات الناس البسطاء المسحوقين في رفح ومخيمها وبين النضال
المستمر للخروج من تداعيات الاحتلال، وبين ترميم الحالة الفتحاوية وما يستلزمه
ذلك من جهد لتقريب وتوحيد وجهات النظر، وبين متطلبات الحياة القاسية على شخص لم
يستثمر ايا من مناصبه الكثيرة والمتعددة حتى لتحسين وضعه الشخصي، مثقلا
بالهموم، مثقلا بالديون، مثقلا بالاحزان مثقلا بتاريخ حافل بالنقاء الثوري
والصفاء الوطني والاثرة المطلقة لكن يده لم تكن مثقلة الا بالنظافة، غادرنا
مجيد ونحن بأمس الحاجة الى من هم مثله فلماذا تركتنا هكذا دون وداع؟
الا تعلم يا صديقي اننا نموت الف مرة في اليوم تحت ذل المداهمات والغطرسة
الاسرائيلية التي تجوب شوارعنا ليل نهار ونحن نخبئ وجوهنا خجلا من ماض كنا
نتمنى فيه مقابلتهم في ساحات المواجهة. نقف في طابور الانتظار على الحاجز
تعتصرنا الآلام ونحن نبرز بطاقتان لمجندة وسط محيط يكون الفتى العربي فيه غريب
الوجه واليد واللسان، ورحم الله المتنبي وهو يقول ونحن نردد خلفه صباح مساء.
وسوى الروم خلف ظهرك روم...........
لا بأس يا صديقي، ذهبت وسبقتنا ربما بأيام او شهور او سنين وتركتنا خلفك ننتظر
نهايتنا الله وحده يعلم كيف تكون، ايها الاناني لماذا تركتنا وانفردت بهذا
الفوز وحدك؟ اتذكر تلك السهرة في فندق الدبلوماسي في تونس حين اتينا على ذكر
الموت وكانت امنيتك ان لا تكون النهاية الا في خان يونس؟ تحققت امنيتك فماذا
اقول انا في أمنية النهاية على سفوح الكرمل الغربية؟ أيها الضاحك أبدا، أيها
المتفائل ابدا، أيها الصادق ابدا، أيها المناضل ابدا، أيها الوفي أبدا، هل تسمح
لنا الآن ان نبكيك قلي
|